رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

ما أصعبها من ذكريات تلك التي رواها عدد من أبناء الشهداء مع ذويهم قبل الاستشهاد وهي كلمات خرجت من قلوب مكلومة على فقد الأحبة فوقعت في قلب الرئيس السيسي وتأثر بها أشد التأثر في احتفالية وزارة الداخلية بعيد الشرطة الـ 70..وهو ما يعيدنا لأجواء يناير 2011..كيف كنا في فوضى وانفلات وانقسام ضرب مصر لأول مرة في تاريخها الذي ضرب فيه المصريون أروع الأمثلة في وحدة الصف والكلمة وتماسك النسيج الوطني..وكيف أصبحنا بفضل وعي المصريين وقيادتهم وتضحيات شهداء الجيش والشرطة والمواطنين .

ورغم آلام الذكرى في النفوس؛ لما تستدعيه للأذهان من مشاهد وأحداث قاسية.. لكن لا مفر من تناول الدواء المر إن أردنا الشفاء من الأوهام وحتى لا نُلدغ من جحر مرتين؛ والدواء في رأيي هو إبقاء تلك الأيام حاضرة في الذاكرة الجمعية، متقدة في الأفئدة حتى لا ننسى أو يغرر بشبابنا على يد نفر من بني جلدتنا لا يكفون عن طعن الوطن في أعز ما يملك بما يبثونه عبر وسائل اتصال عديدة من أكاذيب وشائعات بهدف التشويش والبلبلة وإحداث انقسام يجعل مصر لقمة سائغة في أفواه المتربصين والكارهين والطامعين..وما أكثرهم..!!

الذكرى تنفع المؤمنين بنص القرآن الكريم ومن ثم فلا بأس من أن نعيد التذكير بما جرى قبل أحد عشر عاماً ولولا ستر الله ورعايته ووعي الجيش وقيادته وصلابة الشعب وإيمانه بوطنه لكانت مصر الآن في عداد الدول "الضائعة" إن صح التعبير.

ما أكثر ما قيل عن أحداث يناير 2011؛ فثمة من قال إنها"غضبة شباب" وثمة من وصفها ب "الهوجة" ورآها البعض "ثورة" ثم تبين مع انكشاف المستور أنها كانت "مؤامرة" بامتياز، شارك فيها الإخوان مع دول أجنبية وأهل الشر لتفكيك دول "الخريف" العربي؛ ولمَ لا وقد جرت على مصر والمنطقة أهوالاً وانتكاسات أتت على الأخضر وخرجت بفضلها دول كانت آمنة من سياق التاريخ والاستقرار ودخلت في أتون الصراع والجوع والتشرد..ولم تقم لها حتى اليوم قائمة.

ركبت جماعة الإخوان الإرهابية "موجة يناير" في ظل نخبة متهافتة، وتمكنت من خطف "هبَّة" شاب لا يمكننا إغفال نبل مقاصدهم التي صعدت على أنقاضها جماعات وتنظيمات ذات إسناد ديني، مدعومة من أجهزة استخباراتية أجنبية ؛ وهي القوى التي كانت تخطط لتنفيذ أطماعها، وبالفعل استنزفت مقدرات المنطقة العربية، وقامت بابتزازها، بعد أن تلبستها أوهام الزعامة وسولت لها نفسها القفز على أدوار القوى التقليدية في المنطقة، وفي القلب منها مصر؛ حجر الزاوية وعمود الخيمة لأي استقرار فيها.

سوف يكتب التاريخ يوماً ما تركته أحداث يناير 2011 من آثار وخيمة على شعوب المنطقة وفرص أجيالها القادمة في حياة آدمية آمنة وما تلاها من أحداث دامية لم تكن كلفتها الاجتماعية أقل فداحة من خسائرها الاقتصادية التي بلغت حداً لم يدُر في خلد أكثر الناس تشاؤماً..وهي الفاتورة التي مازلنا جميعاً –دولاً وشعوباً- ندفع ثمنها باهظاً وباهظاً جداً.

الأمم الحية وحدها القادرة على أن قراءة تاريخها قراءة واعية تستخلص العبرة والدرس فلا تكرر الأخطاء ذاتها بل تتفاداها وتجعل المحن منحاً بفضل الصبر والجهد المنظم والحركة الدائبة والتركيز على الأهداف القومية بإخلاص ورشد ولنا في دولة بحجم اليابان التي دمرتها القنبلة النووية لكنها لم تستسلم بل قاومت انكسارها وتأهبت لاستعادة الريادة والقوة وسط الكبار.

من أهم دروس يناير 2011 أن فرط عشوائية الجماهير الغاضبة بلا إدراك ولا وعي ولا غاية مدروسة أنتج فوضي تلقفتها، بخبث شديد وانتهازية فجة، أطراف بعينها سارعت لكسب المواقف وجنى الثمار؛ وهو ما يجعلنا نتذكر دوماً مقولة الرئيس السيسي "إنه ما من دولة ضربتها ريح الثورات إلا وعاشت سنوات ثقيلة ومتاعب وآلاماً"..وقوله " خلوا بالكم من الشعارات الزائفة والكلام المعسول الذي يفضي بكم إلى الضياع. البلاد اللي راحت لم تعد..." وتلك رسالة يحرص الرئيس على تذكيرنا بها من حين لآخر؛ إيقاظاً لوعي المواطنين للحفاظ على بلادهم ضد رياح الفتن ..وهي لاشك رسالة مهمة يتحقق مغزاها فيما يجري اليوم حولنا دول ليست بعيدة عنا.

وكلما تجددت ذكرى يناير تجددت أسئلة تبحث عن إجابات يكتبها المؤرخون بما أوتوا من أدوات العلم وخبرة التدوين؛ وإن كانت إجابتها معروفة بداهة : فهل جرى عمداً تفجير ثورات ما سمى ب "الخريف العربي" لهدم تلك الدول أم لتصحيح أوضاع خاطئة فيها.

توصيف ما جرى في يناير 2011 بصورة علمية محايدة مشفوعة بالوثائق والأدلة والقرائن بات مطلباً ملحاً؛ ذلك أنها-أي أحداث يناير- تركت آثاراً زلزالية كارثية ليس على حاضرنا فقط بل على مستقبلنا كله، والذي تأثر سلباً في كل مناحيه..ولعل الأخلاق هي الأشد تضرراً مما جرى، فقد ضربت مجتمعاتنا هزات أخلاقية أصابت منظومة قيمها في مقتل؛ إذ علت في الشارع وفي مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات الصحف وشاشات الفضائيات لغة سباب وتشاحن تذرع أصحابها بالثورة على الفساد والرغبة في التغيير وهي دعاوى سحقت في طريقها قيماً اجتماعية وخلقية ميزت مجتمعاتنا منذ آلاف السنين؛ الأمر الذي عرّض أمتنا لمحنة أخلاق وانعدام ثقة بدأ بنهش الرموز ومحاولات هدم الدولة وافتعال معارك حول الهوية..فهل مصر التي شقت مجرى التاريخ وعلمت الدنيا بأسرها مباديء الحضارة والمدنية..هل كانت بلا هوية حتى جاء هؤلاء الأدعياء ليبحثوا لها عن هوية.

افتعال معارك حول الهوية وغيرها كان الهدف الحقيقي من ورائه هو هدم مؤسسات الدولة وأعمدتها الرئيسية من جيش وشرطة وقضاء وإعلام لإحلال نظام جديد على غرار الحرس الثوري الإيراني "النموذج" الذي حاول قادة الجماعة الإرهابية استلهامه ليكون لهم جيش وميليشيات خاصة بهم تأتمر بأمرهم وتضطلع بمهمة تثبيت أركان حكمهم؛ فهؤلاء لا يعرفون للوطن حدوداً بل يرونه مجرد حفنة تراب عفنة لا هوية لها ولا حدود؛ فتنظيمهم الدولي هو غايتهم الأسمى ..أما الوطن في رأيهم فهو عابر للدول لا يعترف بحدود جغرافية.

مثل هذا التصور لم يكن من بنات خيالنا بل كان واقعاً عشناه ورأيناه مع الجماعة رأي العين سعت إليه وخططت لتنفيذه على الأرض ..لكن تحطمت أحلامها على صخرة الوعي الشعبي وقوانا الناعمة وصلابة جيش مصر وشرطتها اللذين عصماها من الوقوع في براثن التنظيم الدولي الإخواني، ولم يسمحوا بسقوط مصر.

الحفاظ على الدولة كان ولا يزال أولوية قصوى عند الرئيس السيسي منذ تولى مقاليد الأمور وبدأ إصلاحاً تدريجياً لكل أوجه الحياة على أرض مصر حتى ينأى بها عن الانهيار في ظل ظروف دولية وإقليمية ضاغطة وعاصفة.

ومن دروس يناير 2011 أنه ما من دولة تفككت مؤسساتها وضاعت لحمتها الداخلية إلا وذهبت ريحها ولم تقم لها قائمة حتى بدا أن تفكيك دول بعينها مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن، ومحاولة استهداف دول أخرى مثل مصر من الجنوب تارة ومن الغرب تارة أخرى إنما أريد به إحداث فوضى خلاقة بشرّت بها كوندوليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا ذات يوم في سياق حديثها عن شرق أوسط جديد جرى رسمه وفق سيناريوهات بعضها جرى تنفيذه بالفعل، ويجري العمل باستماتة على تنفيذ بعضها الآخر، وهو ما يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن أحداث يناير والخريف العربي كان مؤامرة حقيقية شاركت فيها أطراف عديدة.

لابد أن نتذكر أيضاً أن حكومات ما بعد يناير 2011 وحتى ثورة 30 يونيو 2013 تراخت دون استثناء في تطبيق القانون، وكان من نتيجة ذلك وقوع كوارث كثيرة منها الاعتداء بالبناء على الأرض الزراعية ..كما تباطأت في علاج مشكلات المواطنين وهمومهم حتى تردت أوضاعنا الاقتصادية بصورة غير مسبوقة؛ الأمر الذي دعا الرئيس السيسي لاتخاذ أصعب القرارات بإجراء إصلاح اقتصادي للوصول بمصر إلى بر الأمان..وكان من نتيجة هذا الإصلاح مواجهة تحديات عديدة آخرها جائحة كورونا التي كبدت شعوباً ودولا كثيرة خسائر مريرة في الأرواح والاقتصاد.

وللحق فإن من تداعيات أحداث يناير تراجع القوة الناعمة لمصر التي تسابقت نخبتها/ نكبتها لنفاق من ادعوا أنهم "ثوار" ثم سرعان ما ظهرت للناس حقيقتهم ..وكيف كانوا بلا رؤية ولا غاية واضحة للبناء بعد الهدم اللهم إلا جنى مكاسب شخصية أو فئوية ليس من بينها مصالح الوطن والمواطنين وأشواقهم للتغيير..وهو ما ينبغي لعلماء السياسة والاجتماع أن يتوقفوا أمامه بالفحص والدرس ليجيبوا عن أسئلة كثيرة من بينها : كيف أسهم نشطاء السبوبة والفضائيات في احتدام الجدل وتكريس انقسام واستقطاب غير مسبوقين في مصر..وكيف تلاقت أهداف الإخوان والأمريكان بالقفز على السلطة لتركيع مصر وإجبارها على قبول مخطط لتقسيم المنطقة العربية وهو المخطط المشبوه الذي أوقفته ثورة 30 يونيو الشعبية..وهو ما رفضه الشعب المصري وثار عليه بعد أن اكتشف خداعهم وزيف شعاراتهم ..وتلك أهم الفوائد التي تحققت في تلك الفترة.

باطمئنان يمكننا القول إن الدولة عادت بقوة بعد تعافي أمنها وانحسار الإرهاب عنها تماماً لكن ورغم ذلك فلا نزال في حاجة ملحة لتنفيذ إستراتيجية فكرية فعالة لتجفيف منابع الإرهاب، وتفنيد أسانيده المضللة التي يجتذب من خلالها فئة مغرراً بها من الشباب عبر وسائل اتصال فائقة التطور والخداع في بيئة تسمح له بالتمدد ما لم يجد فكراً مستنيرا يشتبك بقوة وعقلانية مع ما يتم ترويجه من أفكار متطرفة مغلوطة على أصعدة عديدة فكرياً وثقافياً وتعليمياً..حتى نحصن عقول شبابنا ونشئنا ضد إغواءاته وأباطيله المخادعة وهو ما يفعله الرئيس السيسي بجدارة من خلال إنجاز مشروعات قومية توفر للناس حياة كريمة بما تقدمه من خدمات صحية وفرص عمل لائقة وتعليم جيد متطور مواكب للعصر.

ولا ينكر منصف أن مصر دخلت مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية من خلال تحسين الخدمات وانخفاض معدلات التضخم وتماسك العملة المحلية في مواجهة العملات الأجنبية ونمو في الصادرات وتحسن في ميزان التبادل التجاري وزيادة تحويلات المصريين في الخارج، فضلاً عن التوسع في إنجاز مشروعات قومية عديدة في الطرق والزراعة والإسكان والاكتشافات البترولية ، وهو المشروعات التي أحدثت حراكاً اقتصادياً ووفرت فرص عمل أسهمت في امتصاص جزء كبير من البطالة وتحريك الركود الذي خيم على العالم نتيجة تفشي وباء كورونا.

مثل هذا الحراك وجدنا صداه في تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية وظهور بوادر التعافي واقعياً وفي أرقام تقارير المنظمات الدولية المعتبرة رغم ظروف كورونا وتداعياتها الخطيرة ولا يقلل منها أبداً ما يجده المواطن من معاناة اقتصادية بفعل عوامل عديدة كانت مصر في طريقها للتحسن أكثر لولا الآثار الكارثية للجائحة ..لكن علينا أن نتمسك بالأمل بعد أن اجتزنا أخطر المراحل وأصعبها ولن يتحقق ذلك كما يقول الرئيس السيسي إلا بالعمل والعمل الذي سوف نحقق به أهدافنا ونعبر به تحدياتنا.

لا يجادل أحد أن لمصر في عهد السيسي رؤية واضحة للمستقبل وطمأنينة يشعر بها المواطن الذي بات آمناً على نفسه وأهله ينام ملء جفونه لا يخاف عدواناً وبلطجية عاثوا فساداً في الأرض عشية أحداث يناير لا أعادها الله.

لقد راهن الرئيس السيسي على قوة وإرادة شعبنا وقدرته على تحمل الأعباء وصلابته في عبور الأزمات.. ولا يزال الرئيس يتطلع لاستعادة رونق القيم و الأخلاق الأصيلة والعودة للعمل والإنجاز والتوقف عن الجدل والعنف والخوض في سفاسف الأمور والتفاهات حتى نظل جميعاً في ظهر دولتنا لنعبر بها لآفاق المستقبل اللائق بمصر وشعبها الذي يستحق حياة كريمة يحرص الرئيس على توفيرها لكل مواطن مصري.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة