رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلي الياء

لايختلف إثنان علي أن الدراما العربية تعاني تراجعا ونكوصا متتاليا ، وركوعا حضاريا لنصوص غربية مغرضة تبث من آن لآخر أفكارا وعادات مستوردة ، بغية العبث الفكري في جدار القيم والإتجاهات.

كما ترسخ لمفاهيم عصرية شاذة وإباحية ،وتطل علينا بين الفينة والأخرى بوجهها القبيح لغرس أنيابها في العقول والقلوب بما تحمله من قيم سلبية ومهترئة في ثياب متحضر !

ومن جديد عاد صناع الدراما الخبيثة لبث سمومهم تحت دعاوي حرية الإبداع ، من خلال عرض فيلم (أصحاب ولا أعز)، والذي يحكي عن مجموعة من الرفقاء، لديهم علاقات خاصة وشاذة ،يرفضها العقل والدين وتترفع عليها الفطرة الإنسانية السوية.

وبعيدا عن قصة الفيلم المبتذلة المنسوخة عدة مرات من أعمال غربية والتي عرضتها منصة وشبكة (نتفليكس) الأمريكية الترفيهية ، فقد وقع كوكبة من فناني العرب في فخ التردي ،بتقديم عمل فني لا يعبر عن ظاهرة مجتمعية،لكنه بخص فئة قليلة ومغيبة ،تعاني الإغتراب النفسي والوجداني والإجتماعي ،ولاتعرف شيئا عن المباديء الشرعية والأخلاقية والنسق المجتمعية والإنسانية التي تشكل سياجا رصينا وجدارا منيعا يحصن المجتمع من هذا الجموع الفكري والظلام الإبداع!.

لقد تنفس المصريون الصعداء بعد الشروع في إنتاج دراما إجتماعية ووطنية متميزة نصا وإخراجا وتصويرا وأداء ،تعيد للفن دوره ورسالته ، وتجبر كسور الخريف الإبداعي الطويل!.

وتفاعل المشاهدون عربا ومصريين مع باقة متميزة من الأعمال الفنية الهادفة التي جسدت ملاحم وطنية ما بين مسلسلات وأفلام كأعمال الممر والإختيار وممالك النار وخيط حرير وغيرها.

كما ظهرت دراما واقعية ترصد قصص نجاح نماذج شبابية مبدعة مثل مسلسل (إلا أنا) ،وورا كل بيت حكاية) وفي بيتنا روبوت.

كما تورات إلي حد كبير زهوة الدراما التركية التي دأبت علي عرض صور من العلاقات الإجتماعية الغريبة عن مجتمعنا الشرقي ،والذي مايزال يلتحف برداء الفضيلة والمباديء كحصانة للفكر والوجدان.

وقد توسم الناس في بلادي خيرا بعودة زمن الفن الجميل ، لكن هناك من يحاول دائما تشويه الصورة بإنفاق مئات الملايين من الدولارات في أعمال هابطة ولا تمثل ظاهرة تستحق او قضايا حياتية متشابكة، وفي هذا السياق جاءت دراما ( أصحاب ولا أسوأ)!.

إنها دعوات مشبوهة للتحضر والحرية والفوضوية كحصاد مر لدنيا العصر الرقمي المفتوح.. بئست الدعوات وبئس الإبداع الوقح المنحط ،وليذهب غير مأسوف عليه إلي الجحيم!

وقد صدمني الدفاع المستميت لنقابة المهن التمثيلية عن أبطال الفيلم ، وعلي رأسهم الفنانة مني زكي،والتي قدمت أعمالا وطنية وإجتماعية متميزة.

وبررت النقابة دفاعها بحجة الإنحياز لحرية التعبير والإبداع، كما أعربت عن رفضها لترهيب الفنانين معنويا، وأكدت أنها لن تقف مكتوفي الأيدي .

والأمر المدهش أن النقابة أعلنت انحيازها وحرصها علي القيم الفنية الأصيلة، كما ان إصرار نقابة الممثلين علي التبرير يزيد الطين بلة ،ويثير عشرات الاستفهام والإستنكار، علاوة علي رفض المحتوي الصادم الذي تجاوز كل الضوابط الدينية والأخلاقية.

ويبدو أننا علي موعد مع موسم حياكة الدراما المغرضة بعد عرض فيلم "ريش" بمهرجان الجونة ،والذي جسد المجتمع المصري وكأنه مجموعة من الفقراءوالجهلاء يقطنون العشوائيات،وتحركهم معتقدات السحر والشعوذة!

ولاعجب أن يتحسر الناس في بلادي علي غياب الفن الجميل، وتراجع الدراما التاريخية والإجتماعية الهادفة التي ترتقي بالذوق والأخلاق وتنتصر للمباديء ولشيم الخير والحق والعدل في إطار مشوق وممتع، وفي هذه الأيام العجاف تحشد المليارات لإنتاج عدد ضخم من الأعمال الفنية والدرامية ، ونسمع كثيرا من الجعجعة ونحصد قليلا من الطحين ،فهناك من يجيدون ببراعة حياكة وصناعة الدراما الفاسدة الخبيثة، وتضيع الرسالة القيمية وسط هذا الزحام الكبير.

ولضبط مفهوم الحرية الفضفاض ، أتصور أن يكون هناك دور محكم ومتواصل للرقابة علي المصنفات الفنية ، وأيضا للمجلس «الأعلى للإعلام» والذي قرر من قبل التحقيق مع منتجي مسلسل «الطاووس»، ومسئولي القنوات التي قامت بعرضه، بعد أن تلقى شكاوى عديدة، حول استخدام لغة لا تتفق مع الأكواد التي أصدرها المجلس وأساءت للأسر المصرية.

وأعتقد أن الجميع متفقون علي ضرورة إطلاق طاقات الإبداع والتفرد ،وتوظيف القيم الجمالية، ولاقيود من أي نوع على تلك المعاني النبيلة، لكن لابد من تنقية الأجواء ومنع الصور التي تسيء للفن المصري الأصيل.

وأتصور أن احترام القيم الإيجابية المتعارف عليها ، يجب أن يكون من أولويات الأعمال الفنية الهادفة، حفاظاً على الهوية وتماسك الأسرة ، فالعمل الفني الجيد رسالة سحرية كفيلة بتغيير ضمير المجتمع وكافة سلوكيات أفراده المشينة.

وسيظل الصراع القيمي متصاعدا بين سجايا وفضائل الفطرة السوية،وما بين مفرزات الجنوح الإنساني ،ومابين النقيضين ،تنافس أزلي له أنصاره وصناعه،وربما يكسب أحدهما جولة،لكنه مستمر إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة