رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عيون الشعب


سوف تظل معركة الإسماعيلية .. التى تصدت فيها قوات الشرطة باسلحتهم ( بنادق لى انفيلد ) العتيقة التى استخدمت فى الحرب العالمية الأولى .. امام قوات الجيش الإنجليزى المسلح باحدث الأسلحة ( الامبراطورية التى لا تغيب الشمس عن حدودها ) .. ( مدافع الهاونز الثقيلة ودبابات السونتوريين ) .. فى يوم ٢٥ يناير ١٩٥٢ .. سوف تظل نموذجا رفيعا للوطنية .. وملحمة وطنية فريدة .. رفض جنود الشرطة الاستسلام .. فمعنى استسلامهم .. سقوط الإسماعيلية .. مدينة محتلة بالكامل من الجيش الإنجليزى .. ويبقى السؤال .. لماذا اراد الجنرال ( لواء ) ارسكين قائد القوات الانجليزية .. احتلال قسم شرطة الإسماعيلية ( الذى كان يطلق عليه قسم البستان ) والذى اقيم مكانه مبنى مديرية أمن الإسماعيلية حاليا .. بداية لابد أن نعرف ان الجيش الإنجليزى اقام اكبر قاعدة عسكرية له .. فى الشرق الأوسط .. فى مدينة الإسماعيلية ( معسكر الجلاء حاليا ) .. يعنى قواته متمركزة بقوة عسكرية ضخمة فى المدينة .. اختارت انجلترا .. مدينة الإسماعيلية لاقامة اكبر قواعدها العسكرية .. لتكون الأقرب لقناة السويس .. التى تضع انجلترا وفرنسا يدها عليها .. ولا تريدان .. ان يشاركهما احد .. فى القناة .. ولا حتى المصريين .. اصحابها الحقيقين .. لذلك وضعت القوة العسكرية الضخمة لحماية استحواذهما على القناة .. لم يقبل ابناء بلدى الإسماعيلية .. وجود المحتل الغاصب الإنجليزى فوق ارضه .. خرج من كل بيت اسماعيلاوى فدائي .. يحملون السلاح ضد المستعمر المحتل .. ولم يحتمل ابناء الإسماعيلية .. ان يشاهدوا عائلات واسر الجنود والضباط الإنجليز .. فى شوارع الإسماعيلية .. كانوا يتسللون ليلا .. لخطف وسرقة السلاح من مخازن الجيش الإنجليزى .. ليحاربون به الإنجليز .. نهارا .. قدم ابناء بلدى الإسماعيلية .. نماذج تستحق ان تدرس .. فى البطولة والفداء .. ضد المستعمر المغتصب .. واتخذوا من مقابر الإسماعيلية .. مقرا لإخفاء اسلحتهم .. ولاقامتهم بعيدا عن اعين الجيش الإنجليزى .. الذى فعل المستحيل للوصول اليهم .. دون جدوى .. ولاننى من ابناء الإسماعيلية .. فقد عشت قصص البطولة والفداء .. كما رواها من عاشوها .. اتذكر البطل غريب تومى ومحمود الكنج ومحمود غويبه والمهندس محمود عبد الرحيم وعصفورة وشيزام وعبد الحميد صادق المحامى الذى اطلق عليه الكاتب الصحفى الكبير مصطفى أمين .. لقب القرصان الشريف .. لانه كان يقود عمليات سرقة السلاح من الإنجليز .. وغيرهم طبعا .. فوجئ الإنجليز .. بأن البوليس المصرى .. يتعاون مع الفدائيين ضدهم .. وان الرائد فريد ندا .. يقوم باخفائهم .. والاكثر من ذلك إخفاء اسحلتهم .. هنا طلب الجنرال ارسكين .. خروج قوات البوليس من الإسماعيلية .. وعدم وجودهم نهائيا فيها .. واعدوا قطارا بمحطة السكة الحديد .. لنقلهم الى القاهرة .. ومنحوهم انذارا .. لمدة ٢٤ ساعة للتحرك الى المحطة .. ورفض رجال البوليس الانذار .. فقرر الجيش الإنجليزى احتلال الإسماعيلية وادارتها بنفسه بديلا للبوليس .. وكان مبنى قسم شرطة البستان .. هو اعلى سلطة فى المدينة .. فالاسماعيلية فى ذلك الوقت .. كانت مدينة صغيرة .. لا يوجد بها مؤسسات سوى قسم شرطة البستان .. قرر الجيش الإنجليزى .. احتلال قسم البستان .. رمز السلطة .. وهو ما يعنى سقوط الإسماعيلية فى ايديهم بالكامل .. دارت أشرس معارك البطولة والوطنية .. بين رجال البوليس بقيادة البطل العظيم الرائد رفعت .. ومعه الملازم اول فؤاد الدالى الذى اصبح بعد ذلك حكمدار الإسماعيلية .. والملازم الفنان صلاح ذو الفقار .. ومعهم قوة الشرطة التى لا يزيد عددها عن حوالى ١٢٠ فردا .. هؤلاء الابطال حملوا ارواحهم على اكفهم .. دفاعا عن الإسماعيلية .. وحتى لا تسقط فى ايدى المحتل الغاصب .. وتستمر المعركة من فجر يوم ٢٥ يناير ١٩٥٢ حتى اليوم التالى .. معركة غير متكافئة .. فى الأسلحة والذخيرة .. لكن وبكل مقاييس الوطنية وعشق الوطن .. يتفوق رجال البوليس المصرى .. ويستمرون فى القتال .. حتى نفذت ذخيرتهم بالكامل .. ويخرج الرائد رفعت .. وخلفه جنود البوليس الابطال .. ويؤدى الجنرال ارسكين التحية العسكرية .. تقديرا لصمودهم .. وهنا يبرز دور رجال إسعاف الإسماعيلية .. بقيادة البطل سالم القاضى .. اول مصرى يتولى مرفق إسعاف الإسماعيلية .. الذى اصر على قيادة سيارة الإسعاف بنفسه .. ليحمل من اصيب من رجال البوليس من داخل مبنى قسم البستان .. اثناء المعركة .. لاحظ ضباط الجيش الإنجليزى .. تكرار حضور سيارة الإسعاف الى ساحة المعركة .. فقرروا منعها من دخول مبنى البوليس .. وهنا لم يستجب البطل سالم القاضى .. الى منع قوات الإنجليز من دخوله .. وفر بسيارته الى داخل مبنى البوليس .. واطلق عليه جنود الجيش الإنجليزى الرصاص .. على سيارة الإسعاف !! وأصيب سالم القاضى .. باعظم وسام حصل عليه فى حياته .. برصاص فى يده اليمنى .. وظل فخورا بهذا الوسام طوال حياته .. وبالمناسبة سالم القاضى .. هو والد فاطمة سالم القاضى .. بنت الإسماعيلية .. الطالبة المثالية على مستوى الجمهورية فى المرحلة الثانوية منذ حوالى ٥٠ عاما .. كان من حسن حظى ان التقيت بالمرحوم سالم القاضى .. قبل وفاته .. قال لى انه كان داخل سيارة الإسعاف .. الطعام والذخيرة والماء لرجال البوليس .. وهذا سر فراره من امام القوات البريطانية .. حتى لا يكتشفوا دوره الخفى فى مساعدة رجال البوليس .. وفعلا لم يقتصر دوره على نقل من اصيب منهم إلى المستشفى .. لكن ايضا تقديم العون والمساعدة .. كما انضم عدد من الفدائيين .. من الشوارع الخلفية لمبنى البستان لرجال البوليس .. فى ملحمة وطنية فريدة .. لم تحدث فى التاريخ .. ملحمة سجلها التاريخ باحرف بارزة من النور .. لرجال البوليس المصرى .. دفاعا عن شرف مدينة الإسماعيلية .. تخيلوا ان انجلترا .. احتلت مصر فى ١٣ سبتمبر ١٨٨٢ عقب موقعة التل الكبير الشهيرة .. حتى عام ١٩٥٤ باتفاقية الجلاء .. اقول .. ان تاريخ مصر ممزوج بالوطنية وبالالتحام الفريد بين الشعب والشرطة والذى تجسد فى معركة الإسماعيلية .. وكل ٧٠ سنة .. وانتم بخير .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة