لوجه الله:
وسط طوفان من شكاوى المرضى وأسرهم من ارتفاع أجور الأطباء فى عياداتهم الخاصة وفى المستشفيات التى يعملون بها.. تبرز نماذج رائعة من الأطباء فى كل محافظات مصر.. أطباء كلهم إنسانية ورحمة بالمرضى وأسرهم، يدركون رسالة الطب الحقيقية، فلا يبالغون فى أجورهم، ولا يحملون مرضاهم مالا يطيقون، ويحصدون من وراء مهنتهم الإنسانية رزقا حلالا طيبا، والأهم من الأموال دعوات المرضى وأسرهم لهم.
منذ ايام استمعت الى واحد من هؤلاء الأطباء الذين يشعون إنسانية ورحمة عبر حوار معه من عيادته الخاصة، وهو طبيب شهير فى منطقته، ويحظى بثقة المرضى وأسرهم، وهو يروى كيف أن ما يقدمه لكثير من مرضاه من خدمة مجانية يحجب عنه مصائب كثيرة، وكيف أن ما يجنيه من عيادته الخاصة يبارك الله فيه ويتكاثر بشكل مزهل، ويبارك الله له فى أولاده وفى ممتلكاته.. ويبعث برسالة لزملائه الأطباء الذين يبالغون فى أجورهم ويشقون على مرضاهم مفاداها أن المبالغة فى الأجر لن تضاعف الثروات، ولن تضاعف ثقة المرضى فى قدراتهم العلمية، وأن الرضا بالقليل من الأجر هو طريق البركة فى الرزق، والحماية من المصائب، وعلاج الفقراء ومحدودى الدخل هو طريق التفوق فى عالم الطب والسمعة الطيبة بين الناس.
ويذكر الطبيب الإنسان جميع زملائه الأطباء بما كان يفعله طبيب الغلابة المرحوم د.محمد مشالى الذى ضحى بالمال طوال مسيرته المهنية، فجنى من مسيرته الناجحة السمعة الطيبة ودعوات الغلابة وعوض الله أسرته بأموال مالم يكن ليجنيها لو سار فى طريق الجشع والجرى وراء المال حيث فاز بجائزة إماراتية كبرى ذات عائد مادى كبير تقديرا لجهودة وإنسانيته.
لن أذكر هنا أسماء هؤلاء الأطباء العظام.. فهدف هذه الكلمات ليس الدعاية لأشخاص، بل الدعاية لأفكار نبيلة، ونفوس خيرة راضية.. هذه النماذج الطيبة من الأطباء الذين يشعون رحمة وإنسانية يجب أن تكون محل حفاوتنا جميعا، خاصة ونحن نرى التغالى الفاحش فى أجور الأطباء فى مصر، وأصبحت نقابة الأطباء عاجزة عن مواجهة جشع ونهم كثير من الأطباء ومغالاتهم فى أجورهم.
هؤلاء الأطباء الذين يتمتعون بحس إنسانى ودينى وأخلاقى لا يتوافر لدى كثير من الأطباء يجب أن يكون محل حفاوة وتكريم من مؤسسات المجتمع المدنى والجامعات التى تخرجوا منها.. وأيضا حفاوة وسائل الإعلام وخاصة الفضائيات التى تجرى وراء أسماء محدودة ساهمت فى تلميعها، وتضخيم ثرواتها من حيث لا تدرى.
روى لى أحد الزملاء من معدى برامج الفضايات كيف أنه يتلقى اتصالات من سماسرة يعرضون عليه هدايا- أو بمعنى أصح رشاوى- لكى يستضيف أطباء فى البرنامج الذى يعده وأنه يرفض كل هذه الاغراءات ويستضيف من يراه عالما بحق ولديه ما يقدمه من نصائح وتوجيهات صحية للمشاهدين.
**
لا توجد مهنة ترتبط بحياتنا وتؤثر في أحوالنا الصحية والنفسية والاجتماعية مثل مهنة الطب خاصة في هذا العصر الذي كثرت فيه الأمراض وتنوعت، ولذلك تجد المرضي يتزاحمون في كل المستشفيات والعيادات.. لا فرق في ذلك بين مستشفي خمس نجوم ومستوصف شعبي.. كما تتكرر الشكوي من الأطباء في كل مكان سواء تعلقت الشكوي بأجورهم المرهقة لمعظم المرضي، أو بمواعيدهم التي لا يضبطها ضابط، حيث لا يلتزمون بالمواعيد المحددة سلفاً لمرضاهم ولا يشعرون بالمعاناة النفسية لمريض يجلس مع المرافقين له في عيادة أو مستشفي لفترات طويلة قد تصل إلي عشر ساعات انتظاراً لمقابلة طبيب!!
بالتأكيد الأموال الطائلة والشهرة التي يسعي بعض الأطباء إلي حصدها علي حساب مرضاهم لن تنفعهم ولن يجنوا من ورائها إلا متاعا زائلا.. فهؤلاء الذين يستغلون مرضاهم ويمتصون ما تبقي من دمائهم ويتعاملون مع المرضي وأسرهم بكبرياء وغطرسة واهمال لن يحترمهم أحد ويتلقون السباب من المرضي وأسرهم في كل مكان حتي داخل المستشفيات والمراكز الطبية التي يعملون بها.
روي لي أحد المرضي منذ أيام كيف أن الطبيب صاحب الاسم الكبير الذي يتردد عليه ويتابع معه ويدفع له مبالغ كبيرة أسهم في زيادة حالته الصحية سواء بسبب اهماله وعدم تركيزه معه ومحاولة اقناعه بأنه "موهوم" فلم يطلب منه الطبيب الفحوص اللازمة وتعامل مع شكواه باستهتار وكان ينشغل بهاتفه المحمول ويستخدم مواقع التواصل الاجتماعى أثناء وجوده معه.. ثم اكتشف بعد أسابيع بأن الطبيب ضيعه مما اضطر المريض إلي فضح الطبيب والتشاجر معه في المستشفي الكبير الذي يعمل ب.!!
**
الشكوي من الأطباء لا تتوقف ونقابة الأطباء يجب أن تكون لها آليات أكثر فاعلية لمواجهة تجاوزات الأطباء..لا ينبغي أن يكون دور النقابة هو التبرير والتغطية علي أخطاء الأطباء وتجاوزاتهم وجشعهم.. بل ينبغي أن تقوم النقابة بواجبها في التقويم واتخاذ الإجراءات اللازمة لضبط أداء الأطباء خاصة هؤلاء الذين لا يلتزمون بميثاق الشرف الطبى.
ما نعرفه أن الطب مهنة إنسانية راقية تستهدف أولا مساعدة المرضي في تخفيف معاناتهم حتي يقضي الله أمرا كان مفعولا، وأن الأطباء قد أقسموا علي مساعدة مرضاهم وبذل أقصي الجهد في تخفيف معاناتهم مع الالتزام بآداب وأخلاقيات المهنة، وهي بالفعل آداب وأخلاقيات سامية.. وما ننتظره أن يكون لوزارة الصحة دور أكبر من خلال أجهزتها المختلفة لضبط أداء المستشفيات والأطباء، واستحداث التشريعات التى تمكنها من حماية حقوق المرضي فقيرهم وغنيهم.
ينبغى أن تكون هناك وقفة مع الأطباء الذين لا يلتزمون بآداب وأخلاقيات مهنة الطب ويمارسون أعمالهم اليومية بمنطق تجاري استثماري بصرف النظر عن ظروف وأحوال مرضاهم الاقتصادية.
مصر لها سمعتها الطيبة فى عالم الطب ليس فى العالم العربى فحسب.. لكن فى مختلف دول العالم المتقدم، ويجب الحفاظ على هذه السمعة وتنميتها عن طريق الارتقاء بأداء الأطباء والمنشآت الطبية المصرية، ولا يعيبنا أن تكون هناك تجاوزات من البعض.. لكن العيب كل العيب هو ترك هذه التجاوزات تتكاثر دون مواجهة.
تحية لكل الأطباء الذين يتعاملون مع مرضاهم بإنسانية ويضحون ببعض أجورهم من أجل مرضاهم.. ودعوات صادقة لهؤلاء الذين يتعاملون مع الطب بمنطق تجارى خالى من الإنسانية أن يهديهم الله الى ما ينفعهم ويعود عليهم بالخير الوفير فى الدنيا والآخرة.