رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

برقيات

حين أصدر المستشار بهاء الدين محمد خيرت المري رئيس محكمة جنايات المنصورة حكمه في القضية المعروضة أمامه من قيام أخ بخطف شقيقته وترويعها ومحاولة تصويرها عارية مع صديقه بالدقهلية ليجبرها علي التنازل عن الميراث. لم يكتف القاضي بالقول حكمت المحكمة حضوريا بمعاقبة محمود السعيد عبده محمد عبده "أخاها" بالسجن المشدد عشر سنوات وألزمته المصاريف الجنائية, ومعاقبة محمد احمد محمد صالح" الشريك صديق المتهم" بالسجن المشدد خمس سنوات عما اسند إليه وألزمته بالمصاريف الجنائية. ولكنه استشعر الخطر الكبير الذي يمر به المجتمع ويهدد سلامه الاجتماعي الذي لطالما حذرنا من تداعيه, فخط بيده قبل أن ينطق بالحكم السابق مقطوعة أدبية بليغة بلسان قاض مفوه يخشي علي مستقبل هذه الأمه من الضياع.

قال .. يا محمود القت بك المقادير في يم الحياة طفلا يتيم الأبوين, فقيد الله لك اختا ما كانت امرأة سوء ولا بغيا, بصرت بك عن قرب وأنت لا تشعر ومشت بك في دروب الحياة علي استحياء, حتي بلغت رشدك, ولما شببت عن الطوق ما شددت عضدها بل عريتها لغريب ينهش لحمها لتأكل ميراثها ظلما, أمنتك في سربك فروعتها علي الملاء, دثرتك في ظلمة الليل فعريتها نهارا, لم ترع فيها يا أخاها إلًا ولا ذمه, ولم ترع لحرمة الدم والرحم حرمه, فقد جئت شيئا فريا, فإذا كان الملح يقي اللحم الفساد فمن يقي الملح إذا الملح فسد. إن هذه القضية ليست في صورتها الحقيقية مجرد واقعة خطف وهتك عرض. إنما هي علي النظرة بعيدة المدي أمارة يقينية علي خلل اجتماعي وجيل يضرب بقيم المجتمع ومبادئه عرض الحائط لذلك فأن المحكمة تهيب بعلماء الأمه, دينا, واجتماعا, وإعلاما, وثقافة ,وفنا, ان خذوا بأيدي الناس إلي أحكام الدين الحنيف و قيم ومبادئ هذا المجتمع الأصيلة والقويمة, ولن يتأتى ذلك إلا بتكاتف, يكون فيه صالح هذا الوطن نصب الأعين وفي مهجة القلوب.

وكأننا نلتقط قطع من الألماس, تلقفت كل وسائل الإعلام فيديو النطق بالحكم ليس فقط لآنه عنوان العدالة, رغم أن محامي المجني عليها أكد أنه سيذهب إلي محكمة النقض لأنه كان يتوقع حكما بالمؤبد, نظرا لمجموع الجرائم التي أرتكبها ذلك الأخ الشقي, لكن بعيدا عن القوانين والتكيف القانوني للجريمة والعقوبات المترتبة عليها, دعونا نعترف أننا كنا نشتاق إلي البلاغة وجماليات اللغة, وإتقان الفصحي ودقة توصيفها, تماما كما كنا نفعل ونحن طلابا في كلية الحقوق حيث كنا نذهب إلي المحاكم بحثا عن منصة قضاء مفوهة أو محام قدير يملك ناصية الكلام ويحسن عرض قضيته وأسانيدها, ليصل في النهاية إلي مبتغاه.

جاء المستشار الجليل ليوثق حقيقة أزمه المجتمع وتداعياتها الخطيرة, فوجد الأخ الذي يكيد لشقيقته طمعا في الميراث, والزوج الذي يؤجر صديقه لاغتصاب زوجته, والابن الذي يقتل أمه وأباه, طمعا في أموالهما, والزوج الذي يقتل زوجته وأبناؤه خشية الفقر, صحيح أن وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار التي تبحث عن التريند, وزيادة عدد المتابعين والليكات تتلقف هذه الحوادث وغيرها, وساهمت بشكل أكبر في انتشار التعريف بها. وصحيح أيضا أن الجريمة المبنية علي الطمع وجدت مع بداية الخليقة حين قتل قابيل أخيه هابيل ولولا الغراب ما عرف القاتل كيف يواري سوءة أخيه, لكن يجب أن نعترف أن التناول الإعلامي المعيب, وبعض الأعمال الفنية التي جنحت إلي الفجاجة وبعدت عن المهنية, أعطت نتائج عكسيه ربما رسخت أكثر للفكر الانتهازي والسلوك الإجرامي.

وكأن القاضي في منطوق حكمه يسجل إنذاره للتاريخ ويصدر صرخة مدوية للمجتمع بكل فئاته بدأها بعلماء الأمه وخص منهم رجال دين في إشارة لضرورة العودة إلي أحكام الدين السمح, ثم رجال الاجتماع والتربية وهؤلاء لم نعد نسمع لهم رأيا رغم وجود مؤسسات أكاديمية محترمه كنا نرجع لها دوما في تحقيقاتنا الاجتماعية, ولا أدري لماذا تواري دورهم الهام, ثم ذكر الإعلام والثقافة والفنون باعتبارهم مسئولين عن تشكيل الوعي والوجدان وترسيخ القيم الإنسانية, ولعل تلك الجهات مجتمعة في حاجة إلي تصحيح مسارها لصالح المجتمع. صحيح أن القاضي لم يذكر التربية والتعليم التي باتت عنوان بلا مضمون, ولا الأسرة التي طحنها الفقر والغلاء أو شغلها فحش الثراء. لكن في كل الأحوال يجب ان يعود صالح المجتمع نصب الأعين وفي مهجة القلب.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة