معاً للمستقبل
على أبواب عام جديد ازدحمت الأفكار في ذهني؛ فعن أي شيء أكتب، أأكتب عما نعيشه من نقلة نوعية في حركة التنمية والعمران التي تغطي شتى ربوع مصر من أقصاها لأقصاها وآخرها ما افتتحه الرئيس السيسي من مشروعات أعادت مصر العليا لخارطة التطوير بعد عقود من الإهمال والنسيان..أم أكتب عن "حياة كريمة" مشروع القرن الذي أدرجته الأمم المتحدة على منصتها الإلكترونية كأفضل الممارسات التنموية في العالم ..ورغم كثرة الإنجازات والمشروعات القومية التي تهدف لتحسين حياة الإنسان والارتقاء به..لكن كورونا قفزت إلى ذهني؛ذلك أنها أذاقت البشرية أهوالاً من المخاوف والفزع منذ أطلت علينا في أوخر 2019 فأعادتنا إلى أجواء الحروب العالمية وما جرته على الإنسانية من أهوال الرعب والدمار.
كورونا يعيش بيننا ليس بوجه واحد يمكننا التكيف معه لكن بوجوه عديدة تتحور من آن لآخر دون أن يعرف أحد على وجه البسيطة متى يرحل هذا الكابوس الجاثم فوق صدور البشر في كل مكان على ظهر المعمورة.
خسائر العالم من كورونا أكبر من أي تصور؛ فملايين الأرواح جادت بأنفاسها تحت وطأة كوفيد 19 وعشرات الملايين من الإصابات تكبدتها البشرية في أقل من عامين..أما الخسائر الاقتصادية فحدث ولا حرج ..فها هو النائب الأول لمدير عام صندوق النقد الدولي، جيفري أوكاموتو، يتوقع أن يخسر الاقتصاد العالمي نحو 15 تريليون دولار خلال الفترة من 2020 إلى 2024 نتيجة كورونا.
وفي مقال نشره الموقع الإلكتروني للصندوق قال أوكاموتو إنه منذ مارس 2020، أنفقت الحكومات 16 تريليون دولار لتقديم الدعم المالي أثناء الجائحة، وزادت البنوك المركزية على مستوى العالم ميزانياتها العمومية بقيمة مجمعة قدرها 7.5 تريليون دولار..كما بلغت العجوزات أعلى مستوياتها منذ الحرب العالمية الثانية، وقدمت البنوك المركزية كماً من السيولة في العام الماضي يتجاوز ما قدمته في السنوات العشر الماضية مجتمعة.
و لولا ما اتخذه صناع السياسات من إجراءات لوصل ركود العام الماضي- بحسب أوكاموتو- ، وهو الأسوأ في وقت السلم منذ حقبة "الكساد الكبير"، إلى ثلاثة أضعاف المستوى الذي بلغه بالفعل.
كورونا لم يكتف بذلك بل إنه يمارس هوايته في التحور بين الحين والآخر؛ ما دعا دول العالم لتشديد إجراءات الدخول إليها، واضطر بعضها للإغلاق ووقف النشاط دون جدوى.
المدهش أن 99 دولة بحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية رصدت إصابات بمتحور أوميكرون الجديد الذي ينتشر على نحو سريع، والأكثر إدهاشاً أنه يتوغل بمستويات مرتفعة في البلدان الأكثر تطعيماً لسكانها مثل أمريكا وألمانيا والهند وروسيا وإيطاليا وغيرها..وهو ما يثير علامات استفهام عديدة: هل يرجع ذلك لقدرة المتحور الجديد على مقاومة اللقاحات أم لقدرته على الانتشار السريع..أم للسببين معاً؟!
وأياً ما تكن الإجابة فإنها تقودنا لسؤال أكثر أهمية وهو ما لم تجب عنه منظمة الصحة العالمية: ما درجة خطورة الإصابات في الدول الأكثر حصولاً على التطعيمات..وما مدى فعالية تلك اللقاحات في وقف الزحف "الكوروني" إن صح التعبير.
ربما نحصل على طرف من الإجابة مما قاله وزير الصحة الألماني الذي توقع موجة خامسة هائلة من كورونا بسبب متحور أوميكرون قائلاً "علينا أن نفترض أن موجة أوميكرون التي نواجهها دون أن نتمكن من منعها ستكون تحدياً كبيراً لمستشفياتنا ووحدات عنايتنا المركزة وللمجتمع بأكمله..فاللقاحات لم تفلح في صد هذه الموجة.إنها تقلل الآثار فقط دون أن تمنع الإصابات من المنبع.
ورغم ما أعلنته منظمة الصحة العالمية سابقاً من أن كورونا ستختفي بحلول 2022..لكن ما نراه اليوم من مؤشرات وأرقام إصابات ووفيات يؤكد أن كوفيد 19 رغم ملاحقته باللقاحات والعلاجات سوف يستمر معنا لفترة قد تطول أو تقصر حسب قوة ونجاعة اللقاحات والتزام الناس بالإجراءات الاحترازية المنشودة..وربما مع تطوير الأمصال وتقدم الأبحاث تصبح كورونا مرضاً مثل الأنفلونزا الموسمية ونزلات البرد يمكن التعايش معها.
تحصين البشر ضد كورونا بات أمراً ضرورياً لا مناص منه لا تعلو عليه أولوية أخرى؛ بعد أن أودى بحياة 5.5 مليون إنسان وأصاب نحو 280 مليونا آخرين حول العالم..وأكثر الإصابات لا تزال في الهند وأمريكا والبرازيل وفرنسا وإنجلترا ..ولا تزال التقارير الواردة تؤكد أن الإصابات والوفيات في تزايد مستمر..ولا يزال العلماء والأطباء في بحث مستمر لمحاصرة الجائحة لكن دون نتائج حاسمة.
تداعيات كورونا جعلت العالم يعيد حساباته؛ ذلك أن البشرية ورغم ما حققته من طفرات علمية وتقدم تكنولوجي هائل وجدت نفسها في موقف لا تُحسد عليه؛ فلا هي قادرة على حماية نفسها من فيروس ضعيف لا يرى بالعين المجردة ولا هي قادرة على وقف زحفه لحصد الرقاب في صور متعددة ..بل إنه لا يزال يخرج لسانه للجميع متحدياً وكأن لسان حاله يردد قول الله تعالى:"وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً".
لكن مهما تكن الأحوال فإنه يحسب لفيروس كورونا أنه أعاد للعلم والبحث العلمي بريقه؛ فاتجهت الأبصار صوب العلماء أملاً في تخليص البشرية من كابوس مدمر فاق في تداعيات المرة ما خلفت الحرب العالمية من خسائر في البشر والحجر وما نتج عنها من تراجع وكساد عظيم ..وباتت "الصحة" أولوية قصوى للحكومات والشعوب كافة، جنباً إلى جنب العلم و التعليم.
كورونا كانت ولا تزال اختباراً حقيقياً لدول العالم أجمع؛ اختباراً للقيم والأخلاق، والقدرة على إدارة الأزمات والصمود في وجه التحديات، اختباراً لمدى الوعي والوطنية الصادقة الإيجابية ، اختباراً كاشفاً لمعدن البشر ومدى نقائهم أو تلوثهم ..من سيمد يده من القادرين لاستنقاذ دولته وبني وطنه من فيروس حير العلماء، ويمكنه إذا تمدد لا قدر الله أن يهلك أرواح ملايين البشر، و أن يهوى بأي منظومة صحية إلى القاع مهما يكن تماسكها.
أزمة كورونا لا تزال، رغم مرور كل هذا الوقت، تحظى باهتمام سياسي وإعلامي ومجتمعي غير مسبوق، وهي الموضوع الرئيس للميديا على اختلاف وسائلها حيث تغيرت اهتماماتها وأولوياتها..لكن تضارب أقوال العلماء والساسة ومنظمة الصحة العالمية لا يزال يمثل مشكلة كبرى في التعامل مع الجائحة؛ وهو ما زاد من حيرة البشر جميعاً ومخاوفهم؛ ذلك أن أحد لا يعرف يقيناً متى ينتهي هذا الوباء المتحور لتعود للناس حياتهم الآمنة الخالية من التوتر والألم.
ورغم صعوبة الأحوال فلن تكون كورونا هي نهاية العالم؛ فكم موجات من الأوبئة القاتلة والفيروسات الفتاكة مرت بالبشرية وأخذت دورتها ثم اختفت وصارت مجرد تاريخ مرضي ..وكما تغيرت أولويات الإعلام والسياسة والاقتصاد مع كورونا فسوف تتغير أيضا ً بعد زوالها ..وسوف تتخلق نظم جديدة تمثل فيها تكنولوجيا الاتصالات والمعرفة والرقمنة مع التعليم والصحة والبحث العلمي صدارة الأولويات في كل دول العالم..شاء من شاء وأبى من أبى.
ورغم أن كورونا أخرجت أسوأ ما عند بعض البشر، و خلقت ما يسمى " أغنياء كورونا"..لكنها خلقت في المقابل تغيراً جوهرياً في تفكير الشعوب والحكومات ، وأوجدت أنماطاً سلوكية واتجاهات إجبارية جديدة مثل العمل من المنزل والتعليم عن بعد والشراء أون لاين ..وربما تخرج من بطون المحن محن تنعم بها الإنسانية يوماً ما تفوق ما عانته من ويلات وما تكبدته من خسائر ..ربما تتخلق سلوكيات أفضل تقلل الوقت والجهد وتخفف زحام المرور وطوابير المصالح الحكومية.. وربما أفرزت أخلاقاً أكثر إنسانية ورحمة..وفي كل الأحوال فإن سلوكيات كثير من الناس سوف تتغير جوهرياً لتتسق أكثر مع جوهر الأديان ورسالات السماء لتنعم الإنسانية بحياة أفضل.
ما يحتاجه العالم اليوم أكثر من ذي قبل هو التعاون والتراحم والتكافل والتنسيق للخروج من هذا الكابوس بأقل ما يمكن من الخسائر.
وإذا كان العلماء في دول عديدة واصلوا العمل ليل نهار ونجحوا في التوصل للقاحات تقلل الآثار الكارثية لكورونا ..فإن البشرية لا تزال في حاجة لمزيد من الجهد العلمي الدءوب والمنظم في مراكز الأبحاث والمعامل للوصول لتشخيص أكثر دقة ولقاحات وأدوية أكثر فعالية للوباء المستجد..لتفادي خطورته إذا ما تجدد ظهوره لا قدر الله مستقبلاً.
وفي سياق كهذا يصبح استخلاص الدروس المستفادة من أزمة كورونا وكيفية إدارة الأزمات ضرورة لازمة للحكومات والشعوب، فقد كشفت الجائحة كيف عجزت دول وأنظمتها الصحية عن مواجهة الفيروس المستجد ..ويبقى سؤال: هل بمقدور العالم دولاً وشعوباً أن تتعايش مع كورونا كما تعايشت على مدى العامين الماضيين إذا ما كانت اللقاحات المكتشفة غير فعالة بدرجة حاسمة للقضاء على الوباء..؟!
لاشك أن خسائر البشر من كورونا كبيرة وكبيرة جداً، وهي فوق احتمال دول وشعوب كثير لم تتوقع هذه الأزمة ولم تعمل لها حساباً، ولولا أن مصر اتخذت إجراءات اقتصادية إصلاحية صعبة ما تحملت مثل هذه الظروف القاسية التي جرت على البشرية موجة ركود اقتصادي وغلاء بدأت آثاره في الظهور عالمياً، فكثير من الناس فقدوا وظائفهم وكثير من الشركات تعرضت للإفلاس..ناهيك عن فقدان الأحبة وهو الأكثر إيلاماً.
ندخل العام الجديد برجاء ودعاء عريض أن يمن الله علينا وعلى الإنسانية جمعاء برفع البلاء والباء ووقف الغلاء حتى تعود للإنسانية ابتسامتها وأمنها وراحتها وتنعم من جديد بحياة طبيعية هانئة وخالية من الخوف والقلق اللذين عانى بسببهما كثير من البشر أمراضاً نفسية وعضوية صعبة ، وأن يجنبنا الله العظيم شرور فاجعة كبرى برحمته وقدرته.
وفي كل الأحوال علينا أن نعيد النظر في أمور كثيرة ليكون قادم الأيام أفضل من ماضيها..لنتكافل ونتضامن ونتسامح ونتراحم حتى تستعيد البشرية وجهها الإنساني النبيل..فكيف نتمنى زوال الوباء وهناك ملايين البشر من الفقراء لم يحصلوا على جرعة لقاح حتى الآن..ولماذا لا تمد الدول الغنية القادرة يد العون للدول الفقيرة حتى تعبر البشرية معاً هذه المحنة بسلام..أين العدالة الدولية في توزيع اللقاح ..علينا أن نزيد جرعات الاهتمام بالعلم والباحثين ..فرغم ما أحرزته البشرية من تقدم كبير في مجالات الطب والأحياء والكيمياء وغيرها من العلوم الحيوية لكن كثيرا من الأشياء لا يزال يلفها الغموض ولا تزال هناك أمراض بلا علاجات ناجعة .
ومع العام الجديد أكرر مع الإمام الأكبر د.أحمد الطيب شيخ الأزهر قوله : إنه لا مخرج لعالمنا من أزماته الحادة بكل ما تموج بها من عنف وقسوة ووحشية إلا بالعودة للأخلاق ..ولا يرى فضيلته في كورونا أنها عقاب إلهي كما يذهب البعض بل هي ابتلاء واختبار للعباد ..بينما ذهب البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية لأبعد من ذلك، مؤكداً أن كورونا إنذار من الله ورسالة منه للإنسان بأنه مخلوق ضعيف ورغم ذلك فقد تجبر وتكبر في عين نفسه وتناسى الخالق وقد جاء هذا الوباء نذيراً لإيقاظ البشر.
الأزمات فرصة للتوبة ومراجعة الأولويات ..والأمر كله لله في نهاية المطاف ..وبإمكان البشرية أن تجعل محنة كورنا التي لم تكشف أسرارها ولا انتهت فصولها بعد، منحة تعيدها إلى مسار أكثر إنسانية ورحمة وتكافلاً..وإلا تفعل ترمي بنفسها في المهالك وفي طريق اللاعودة..دعونا نتفاءل بالعام الجديد وندعو الله أن يكشف فيه الغمة وأن ينزل رحماته بأهل الأرض.