"إنَّ خير المال المندي بالعرق"
هذه الكلمة العبقرية التي قالتها الأديبة المفكرة الدكتورة "نعمات أحمد فؤاد" والتي تعبر بها تعبيرًا أصيلًا عن الجوهر والمعدن النفيس للإنسان المصري الأصيل، الذي لا يعرف للمال طريقًا غير طريق الكد والتعب، لا يقنعه أبدًا أن يأتيه المال بسهولة ويسر دون أن يسعى إليه ويحصل عليه بعد المشقة والتعب التي تساويه.
فالفلاح الذي يحمل الفأس كل يوم، يهيأ الأرض ويرويها بعرقه الذي يختلط مع ماء النيل فيها، ويتولى زرعه بالرعاية والعناية لشهور حتى يحصده، لا يمكن أن تقنعه أن يحصل على المال بطريقة سهلة لا يطمئن إليهه، ودون أن يقدم نفعا.
وهذه الجملة العبقرية المدهشة للدكتورة "نعمات أحمد فؤاد" ـ وهي أحد رموز مصر الفكرية وكنوزها ـ ، التي لاقت من والدي ـ رحمه الله ـ قبولًا وإعجابا شديدًا وكان قارئًا عظيما، لا يمر عليه يوم دون أن يقرأ بوعي عظيم لكبار المفكرين، وقد نُشرت هذه الكلمة في مقال بجريدة الأهرام يومها، فلفت إنتباهي إليها وإلى صاحبتها العظيمة، فظلت الجملة عالقة بذهني إلى يومنا هذا وقد مر عليها سنوات طوال.
وهكذا كانت علامات الاستفهام على وجه الرجل، والذي أتاح له مقدم برنامج "مذيع الشارع" هذه الإطلالة المصرية الأصيلة، بوجه يحمل ملامح سبعة ألاف عام، لحاملي الفؤس على ضفاف النيل، الذين عرفوا أنَّ حصاد تعبهم وجهدهم، وأنَّ الزرع الذي يروونه بعرقهم هو مجد الحياة وفخرها وشرفها وعزتها وكرامتها.
علامات الاستفهام التي جعلت الحج عبد العظيم، وهو الرجل المسن، يسأل مذيع الشاعر الأستاذ "أحمد رأفت" عن كون هذا المال حلال أم حرام.
مالٌ لم يأته من سرقة، ولا من خداع على أحد، ولا من قطع طريق وليس هو مال يتيم لا يقدر على صيانة ماله، فلماذا يسأل عن حِل هذا المال من حرمته؟!.
ليس في الأمر ما يدعو للشك في هذا المال، إلا أنَّ الرجلَ لم يعتد أن يأتيه المال الحلال بهذا اليسر، دون عمل نافع للناس، ولا يعرف أن المال الحلال لا يأتي صدفة هكذا.
والرجل صادق، لأن فطرته السليمة التي لم تلوثها ظروف الحياة القاسية، لذلك أبى فهمه أن يعي أن يأتيه المال بطريق الصدفة دون أن يُطلَب منه عمل مقابله.
هذه الصدق الذي تمتع به الرجل وأثر تأثير وضاحًا في مقدم البرنامج الذي نحييه على تقديم هذا النموذج الصادق والمعبر تعبيرا دقيقًا وصحيحًا على معدن المواطن المصري الأصيل، وكان من الواضح أن الأستاذ "أحمد رأفت" مقدم هذا البرنامج، كان يصر بحرفية إعلامية، وبمشاعر إنسانية صادقة، ظهر فيه التأثر الواضح بهذه الحالة، على أن يظهر هذا المعدن النفيس لرجل في حاجة إلى المال يسأل عن حله من حرمته.