رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله:

لم تعد قصة الفنان الكبير رشوان توفيق الذى وزع ثروته كاملة على أولاده ثم خرج على الفضائيات يشكو تصرف إحدى بناته ومقاضاتها له حتى لا يتصرف فيما وهبه لها هى الوحيدة التى يجب أن نستهلهم منها العبر والعظات.. فقد خرجت الفنانة شريفة ماهر على عدة فضائيات تشكو هى الأخرى عقوق إبنها ومحاولاته المتكررة اقتناص ما تمتلكه وهى على قيد الحياة.. كما خرج مواطنون بسطاء يشكون عقوق أولادهم الذين وزعوا عليهم ممتلكاتهم حال حياتهم وقابلوا ذلك بالعقوق ونكران فضل الآباء.. بل إن بعض الأبناء تركوا أبيهم فى الشارع بلا مأوى بعد أن حصلوا على كل ما يمتلك.. ورغم أن ما علمناه من هذه الحالات قليل لكنها تظل تحمل العبر والعظات لنا جميعا.

والواقع أن بعض الآباء والأمهات الذين تصرفوا فى أموالهم وثرواتهم حال حياتهم ووزعوا ما يمتلكون على أولادهم لكى يطمئوا الى عدم حدوث مشكلات بينهم على التركة مستقبلا، لم تتحق لهم أهدافهم الإنسانية النبيلة، حيث غاب الرضا عن بعض الأولاد ووقعت بينهم مشاجرات ومشاحنات فى حضور الآباء والأمهات، وتألم الآباء على ما حدث بين أبنائهم من صراع على الأموال والممتلكات وهم على قيد الحياة وكانت حسرتهم كبيرة على ما رأوا من أولادهم.

لذلك.. فإن ما رأيناه خلال الأيام الماضية من شكوى بعض الآباء ليس جديدا على حياتنا، بل هو يحدث بشكل أو بآخر من بعض الأبناء الذين وهب لهم الآباء والأمهات ثمرة كفاحهم.. ثم طال بهم العمر وتبدلت أحوالهم المادية والصحية من يسر الى عسر، ومن صحة الى مرض، ومن مال وفير الى حاجة الى المال، وللأسف تعامل معهم بعض أولادهم بكل فتور وسلبية وعقوق.. وأنا شخصيا عايشت حالات من هذا النوع من العقوق القبيح، لذلك ينصح دائما علماء الدين بترك توزيع الأموال والممتلكات على الأولاد للموعد الطبيعى الذى حدده الخالق، فهو الأدرى بما يصلح حال عباده، وحتى لا يتعرض الأب أو الأم الى ما نراه ونسمع عنه من تصرفات غير طبيعية وغير إنسانية من الأبناء والأحفاد تجاه من كانوا سببا فى وجودهم وربوهم وعلموهم وزوجوهم ووهبوا لهم ثمرة جهدهم وكفاحهم.

**
والخلاصة.. أن ما شاهدناه من عقوق وتمرد بعض الأبناء على آبائهم بعد توزيع ممتلكاتهم عليهم يترك لنا العديد من العبر والعظات.. أبرزها:

-أن يترك الإنسان ثروته وممتلكاته لتوزع التوزيع الشرعى الصحيح على ورثته بعد رحيله.. ولو وزع الأب على أولاده ما يلبى مطالبهم ويحقق رغباتهم أثناء حياته، فعليه أن يكون عادلا ومنصفا ومحققا الرضا للجميع.

وهنا ليس من الصواب أن يوزع كل ما يمتلك على زوجته وأولاده حال حياته مع جواز ذلك شرعا، فهو لا يدرى ما تحمله الأيام القادمة من مفاجآت، ولا يضمن استمرار بر أولاده به، فقد تتغير النفوس وتتبدل الأحوال، ويموت الإبن قبل أبيه، وتتحول حياة الإنسان من يسر الى عسر، ومن صحة الى مرض، ويحيط بالأبناء فى المستقبل من يدفعهم الى العصيان والتمرد والعقوق.

- توزيع الثروة على الأولاد لحرمان ورثة آخرين سلوك مخالف لشرع الله عز وجل ولا يجوز شرعا أن يقبل أب على ذلك فى حياته، فموزع المواريث هو الخالق سبحانه، والإنسان مجرد مستخلف على هذا المال وهو وحده الذى يتحمل وزر ذلك لو أقدم على ذلك.

- لا يجوز أن يتصرف الإنسان فى ماله حال حياته بما يزرع الضغينة بين أولاده، فلو وزع عليهم بعض ممتلكاته عن رضا وقناعة وأراد أن يسترد بعض ممتلكاته فينبغى أن يكون ذلك بالرضا مع أولاده.. وهنا لا ينبغى أن يميز إبنا على إبن، فالعدالة هى سيدة الموقف طالما يستهدف رضا الجميع وإزالة كل أسباب البغضاء بينهم، فلو حدث ووزع ثروته حال حياته، فعليه أن يلتزم بقواعد الميراث "للذكر مثل حظ الانثيين" على ما أكده بعض علماء الشريعة تحقيقا للعدل بين الأبناء.

**
فى حوار مع الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالى- رحمة الله- سألته عن رأيه فى قيام بعض الأبناء بالحجر على آبائهم حتى لا يتصرفوا فى أموالهم .. قال: هذا حصاد التربية الخاطئة فهؤلاء الآباء يجنون ثمرة ما زرعوه فى أبنائهم من أنانية وجحود وعقوق.. ومصيبة بعض الأبناء أنهم يفرضون وصاية على آبائهم والآباء فى كامل رشدهم.. وهنا أذكر قصة رجل جاءنى يشكو تصرف أبنائه الذين يرفضون أن يقوم ببر شقيقاته وهن يعانين من المرض والحاجة حتى أن الرجل المسكين لا يستطيع أن يعطى أختا له شيئا إلا بعد الحصول على موافقة زوجته وأولاده.

ويضيف: قلت لهذا الرجل المغلوب على أمره: ألا تستطيع أن تبر شقيقاتك ببعض أموالك دون علم زوجتك وأولادك؟ فأجابنى لا أستطيع، فكل أموالى تحت ولايتهم وأنا مجرد متفرج.

للأسف هناك صور كثيرة لوصاية الأبناء على آبائهم فى التصرفات المالية يعانى منها كثير من الآباء والأمهات فى حياتنا المعاصرة.. فبعض الأبناء غرروا بآبائهم ودفعوهم الى ارتكاب خطيئة حرمان شقيقاتهم من حقوقهم فى الميراث، واكتشفت البنات جريمة آبائهن بعد رحيلهم ليضع الأبناء الذكور أيديهم على كل تركه الأب وتحرم شقيقاتهم، والغريب أنهم يفعلون ذلك بكل بجاحة وبلا خوف من الله، يوم لا ينفع مال ولا بنون.

علينا أن نحتكم لتعاليم الدين، فلا ولاية لأبن على أبيه فى تصرفاته المالية إلا إذا كان الأب مغيب العقل والوعى ولا يعى ما يتصرف فيه.. وبدون ذلك الأب حر فى ماله وكل تدخل من الأبناء فى تصرفات الآباء العاقلين الراشدين هو شكل من اشكال العقوق ونتيجة طبيعية للتربية الخاطئة من الأب وضعف شخصيته أمام أبنائه.

لقد وجهنا الدين الى التعامل الرشيد مع المال جمعا وإنفاقا وما دام الأب رشيدا ينفق ماله فى أوجه الانفاق الشرعية، ودون تقتير أو إسراف وفقا لظروفه، فلا يجوز لأحد أن يتحكم فى تصرفاته حتى ولو كان الأبناء.

والخلاصة التى أكدها العلماء أنه لا يحق للأبناء أن يحجروا على تصرفات أبيهم فى ماله طالما كان فى وعيه ورشده ويدرك ما يفعل حتى ولو تبرع بكل ماله للفقراء وأصحاب الحاجات.. والإنسان الذى يعرف تعاليم دينه جيدا لا يضيع أولاده ولا يتخلى عن أمواله ليترك أولاده يتكففون الناس.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة