معاً للمستقبل
الارتقاء بجودة حياة المواطن المصري وتحسين مستوى معيشته في مختلف نواحي الحياة هو الشغل الشاغل للرئيس السيسي الذي يتبنى ترجمة رؤية مصر 2030 إلى واقع ينعم به المواطن المصري في كل مكان؛ ومن ثم فإن الرئيس يولي تنمية البشر أهمية خاصة في جدول أعماله، ويعلي من شأن الحقوق الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية بحسبانها ضمانة أولى للحياة الكريمة ..وتحقيق يتطلب تعزيز الاستثمار في البشر وبناء قدراتهم الإبداعية من خلال الحث على زيادة المعرفة والابتكار والبحث العلمي في كافة المجالات..كما تؤكد تلك الرؤية على ضرورة ترسيخ مبادئ العدالة والاندماج الاجتماعي ومشاركة جميع المواطنين في الحياة السياسية والاجتماعية مع تحقيق نمو اقتصادي مرتفع، ومستدام ينعم الجميع بثمراته كما تحمل الجميع تبعاته وآثاره الإصلاحية.
نهضة الدول تمر -في رأيي- عبر باب واحد هو تنمية البشر تعليمياً ومهارياً وثقافياً وحضارياً..فمن يملك العلم فقد ملك مفاتيح الحاضر والمستقبل، وحاز أسباب القوة والتمكين..وتاريخ الأمم بلا استثناء يؤكد أنه من دون العلم والمعرفة فلا رخاء ولا بقاء..وإذا كان لحضارة اليوم اسم فهو حضارة المعرفة بكل تنويعاتها..حضارة تقوم على اقتصاد المعرفة والإنترنت وثورة الاتصالات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتحليل البيانات..وكلها مفردات أو محاور ترتكز على العلم والمعرفة.
الأفذاذ من العلماء و المبتكرين والشخصيات البارزة لم تدخل التاريخ من باب السياسة ولا من باب الثروة والغنى لكنها دخلت من باب العلم والتميز الفكري والتفوق العقلي والإسهام المعرفي والحضاري، فقد خلد التاريخ مثلاً مخترع الكهرباء والبنسلين والإسبرين والبنج وغيرها من منتوجات العقل المبدع التي يبقى ذكر أصحابها خالداً ما بقي استعمالها حتى الديناميت المدمر لم تنس البشرية من أوردها موارد التهلكة وجر عليها ويلات الدمار نوبل صاحب الجائزة الأشهر تاريخياً.
ربما يتلاشى ذكر الملوك والقياصرة لكن المؤكد أنه يبقي خالداً في ذاكرة الإنسانية أصحاب الأعمال الخالدة والابتكارات الرائدة التي تتنعم بها البشرية الآن بفضلهم..ومن المؤكد أن بيل جيتس أو زوكر بيرج مثلا أكثر حضوراً في أذهان العالم من كثير من الساسة وذوي المناصب الكبرى أو السطوة والنفوذ أو المال والثروة في بلدانهم..ما يؤكد حقيقة يراها البعض شعاراً وهي أنه بالعلم تحيا الشعوب وتبنى الحضارات وتجد البشرية حلولا لأزماتها المستعصية..وأكبر دليل جائحة كورونا ..فمن الذي استفاد أكثر من الظروف الوبائية..والإجابة إنهم أصحاب اليد الطولى في إنتاج اللقاحات والمستلزمات الطبية اللازمة للتعامل مع الفيروس المستجد شديد التحور.
فإذا سلمنا بأن العلم والبحث هما مفتاح البقاء والحياة فإننا بالضرورة سنسلم بحتمية الاستثمار في صناعة العقل وصياغة الفكر وبناء الشخصية وتشكيل الوجدان..ولا عجب والحال هكذا أن نجد أكثر المجتمعات عافية ورشداً هي أكثرها دعماً للطبقة الوسطى بحسبانها وعاء الإبداع وحاضنة القيم والحارس الأصيل على مقدرات الأمم ومقومات البقاء.
الاستثمار في البشر هو استثمار في المستقبل، فمنهم السواعد المنتجة والعقول المبدعة ودرع الأوطان وسيفها وظهيرها الحقيقي في الملمات والشدائد.
كل تجارب النجاح مرت من العقل البشري. تطور البشر أنفسهم مر عبر تجارب طويلة تعلم فيها الإنسان كيف يتطور ويتكيف مع الطبيعة ليمر من العصر الحجر إلى البرونزي،ثم الحديدي وقد بدأ تاريخ الحضارة البشرية بالكتابة والتدوين..حتى جاءت أولى آيات القرآن بقوله تعالى: "اقرأ باسم ربك الذي خلق" رغم نزول الذكر الحكيم على نبي أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ما يعنى أن علينا أن نطلب العلم مهما تكن ظروفنا وأينما كان هذا العلم ولنا فيما فعله رسولنا الكريم القدوة والمثال فقد جعل صلى الله عليه وسلم فك أسرى بدر رهناً بتعليم كل منهم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة.
كل تجارب النجاح قديمها وحديثها مرت من هنا، من بوابة التعليم والعلم،فهما أداة تنوير وتثقيف وتهذيب وترقية للسلوك والفكر والمشاعر وطريقة التفكير والتعامل مع الحياة..بالعلم يرقى سلوك البشر وبالتدريب يزداد إنتاجهم وتزداد قوتهم وسطوتهم ..لا فضل لشعب على آخر إلا بالعلم والعمل ومنجزات الحضارة.
ولا يجادل أحد أن العلم والبحث البحث العلمي أمن قومي لمصر..ورغم إدراكنا لكل ذلك، ومنذ زمن بعيد فلم نتحرك بالجدية المطلوبة إلا في عهد الرئيس السيسي الذي جعل التعليم أول اهتماماته، حتى أنه منذ أيام قليلة أعاد التأكيد بكلمات مختصرة واضحة الدلالة والمغزى أمام المنتدى العالمي للعلم والبحث العلمي الذي عقد بالعاصمة الإدارية "إن الدولة تقاتل من أجل إرساء المعرفة والتعليم الحقيقي في مصر. نحن جادون بإرادة لا تلين من أجل تقديم تعليم حقيقي بجودة عالية، ذلك أن التعليم الجيد أساس بناء الدول ونهضتها ومستقبل الشعوب وحضارتها، مشدداً أن التعليم الجيد هو حق من حقوق الإنسان..وعندما أعطي للإنسان تعليماً غير جيد فأنا لا أعطي له فرص حياة..فبقدر جودة التعليم المقدمة له، وبقدر المعرفة التي يحصل عليها تتحقق له فرص العمل والمشاركة الحقيقية في الحياة.
لم يقف السيسي عند هذا الحد بل إنه وصف المعرفة الحقيقية بأنها كنز وثروة دفينة وذخيرة بشرية وطاقة إنتاجية..ولا يداخلني أدنى شك أن رئيس مصر وحكومتها يدركان خطورة وأهمية العلم والتعليم، وهو ما وجد ترجمته في سلم أولويات الدولة أخيراً..ويؤمن الرئيس يقيناً أن العلم قادر على انتشال مصر من مشكلاتها المزمنة وتجنيبها مخاطر التخلف والتراجع اللذين عانت منهما عقوداً طويلة.
وإذا كان الإنسان عدو ما يجهل، فالجهل عدو من يجهل..ولا عذر لمن يجهل..ما دام قد علم أن العلم فرض عليه لا يُترك.
تساهلت الحكومات السابقة في أمر التعليم والعلم حتى وصلنا لما نحن فيه من فوضى تعليمية وكبوة سلوكية وأخلاقية تجلت آثارها واضحة مع أحداث يناير ومازلنا نعاني منها حتى اليوم حتى باتت تصرفات أبنائنا في المدارس والجامعات وحتى في الشارع تقول بوضوح: إننا في حاجة إلى تصحيح لمسار التعليم والبحث العلمي..ولا أدرى لماذا لا تتنادى الجامعات ومراكز البحث لدراسة تلك الإشكالية ووضع حلول علمية لاستعادة رونق الأخلاق ومكارمها..فلست أرى طريقاً غير العلم والبحث العلمي لكشف غمة التراجع، ووقف هذا الانحدار الخلقي الذي نلمس آثاره قوية بل مدوية تموج بها صفحات التواصل الاجتماعي التي تكشف إلى حد انحدر الذوق المصري..وإلى أي حد يجري تشويه عقول الصغار بما يجري ترويجه من أغاني المهرجانات وسوء ما تغرسه في النفوس وما تصنعه بالعقول..أهذه هي ذائقة شعبنا الذي أفرز عمالقة الغناء والثقافة والأدب ورواد النهضة والتحديث الذين يشار لهم بالبنان..؟!
لا أجد طريقًا غير العلم يمكن أن يعيدنا لجادة الصواب..ولن نتغير للأفضل إلا إذا آمنا جميعاً بأهمية العلم وضرورته في حياة الشعوب..ثمة ظواهر اجتماعية سلبية كثيرة ما كان لها أن تحدث في حضرة مجتمع العلم والمعرفة..إنفاق مليارات الجنيهات سنوياً على الدجل والخرافة والشعوذة، أو على الرغي في الهواتف بلا طائل أو على التدخين والإدمان الذي يتفنن تجار السموم في تدمير عقول أبنائنا من خلال ما يستحدثونه من مواد سامة وآخر ما يطلق عليه "الشابو" الذي يدمر العقل ويورث متعاطيه حالة مزاجية حادة تدفعه للقتل والفتك بمن يلقاه في الطريق كما حدث في جريمة الإسماعيلية..أليس ذلك الانحراف وتلك الجرائم البشعة نتاجاً لغياب العلم والوعي والتفكير السليم..ألا يدفع المجتمع كله ثمن هذا التهاون ..أليس وجود إرهابيين ومتطرفين بيننا نتاج تعليم متهافت وتفكير مغلق وتراجع لدور الأسرة ومؤسسات التعليم كافة..ناهيك عن غياب دور الأحزاب وقوى المجتمع المدني والإعلام الرشيد الهادف..أليس شيوع الأنانية والسلبية نتاج نشأة غير سوية وتنشئة بلا ضمير ولا رؤية ولا وازع ديني..؟!
لقد طالب الرئيس ومعه كل الحق دول العالم الإسلامي بضرورة اليقظة والانتباه التام لخطورة الفكر المتطرف الأحمق، مؤكداً أن الإسلام لا علاقة له بالفكر الجامد الذي يهدف لتدمير مستقبل الشعوب وحضارتها؛ وهو ما يجافي تماماً روح شريعة الإسلام السمحة التي تقوم على البناء لا الهدم ..وهنا يأتي دور علماء الدين الذين يقع عاتقهم تصحيح المفاهيم الخاطئة ونشر صحيح الدين في مواجهة دعاوى الشر.
ولنا في رسول الله أسوة حسنة؛ ذلك أنه أرسى بالحكمة والموعظة الحسنة دعائم وأسساً عظيمة وخالدة للإنسانية جمعاء..انطلاقاً من قوله تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"..وقوله تعالى :" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"..مع ما تحمله كلمة العالمين من السعة والشمول وعالمية هذا الدين.
ولا يجادل أحد أن الأديان قائمة كلها على مقاصد واحدة غايتها الحفاظ على النفس والعقل والبدن والمال والدين..وكما قال الإمام مصطفى المراغي رحمه الله شيخ الأزهر الأسبق.."ائتوني بما ينفع الناس أعطكم سنده من الكتاب والسنة" ما يعني أن الدين مع مصالح العباد والتيسير عليهم لقوله تعالى " وما جعل عليكم في الدين من حرج"..إنه يسر الدين وسماحته الذي يبغض التشدد والتطرف والغلو.
وحتى لا يخرج علينا بعد كل هذا بما يعكر الصفو وينشر الفتنة..فإن قضية الوعي الرشيد وفهم صحيح الدين من أوجب واجبات الوقت في مواجهة أهل الشر الذين يخرجون بالنص عن مقاصده ويخرجون المعاني من سياقها لخدمة أهدافهم، أو يعتمدون على تفسيرات خاطئة مما يتطلب من أهل الفكر وعلماء الدين أن يتصدوا لها لنحمي المجتمع والدولة من كل شطط أو خطأ ومخطط للتخريب حتى يدرك العالم أجمع سماحة الإسلام الذي ابتلي بأتباع ليسوا على قدره وسموه.
بناء الوعي أو تصحيحه مهمة مجتمعية تحتاج لتضافر الجهود كافة ثقافية ودينية وتعليمية للإسهام في بناء الشخصية السوية القادرة على مواجهة التحديات والتمييز بين الحق والباطل..ولا مناص من إصلاح التعليم وربط البحث العلمي بالإنتاج وإيمان أهل المال والأعمال بقيمة العلم وبأهمية ما تنجه عقول المبدعين من أبنائنا الذين هم أمل مصر وعدتها في المستقبل الذين تتعاظم حاجتنا إليه ونحن نؤسس جمهورية جديدة.
علينا أن نعترف أولا بأن التعليم في مصر غير منتج ولا مثمر بل على العكس يتسبب في خسارة الدولة لمليارات الجنيهات حين تضخ آلاف العاطلين سنوياً من خريجي الجامعات وحتى طلبة الدبلومات الفنية لا يصلحون لسوق العمل وهو أمر آن له أن يتوقف، بأن نستعيد أولاً حلقة الاتصال المفقودة بين التعليم وسوق العمل من ناحية وبين البحث العلمي والإنتاج من ناحية أخرى..نرجو أن يتوقف نزيف العقل المصري وهجرة الأدمغة الوطنية إلى الخارج، وأن تتعمق قنوات الاتصال الفعال مع طيورنا المهاجرة النابهة على أسس أكثر فعالية فنحن في حاجة لكل عطاء مخلص مهما يكن حجمه.
نرجو مثلاً أن تكون وزارة الزراعة في قلب الميدان بين المزارعين وليس في قلب العاصمة، وأن تلتحم مراكز البحث الأكاديمية وغير الجامعية في منظومة واحدة غايتها تقدم البلاد وصالح العباد؛ فثروات الطبيعة مهما يكن مخزونها فهي إلى زوال..البترول وغيره سوف ينضب ويبقى على العقل البشري أن يعوض شح الطبيعة وقلة مواردها ..وهنا يأتي دور العلم والعلماء في تنويع مصادر الطاقة والتحول إلى الاقتصاد الأخضر والمستدام.
المعرفة والبحث العلمي والتكنولوجيا هي أضلاع المعادلة المطلوبة في حياتنا ..فخريطة العالم تتغير من حولنا وتتشكل قوى جدية ليس بقوة الجيوش، ولا كثرة السكان فحسب بل بقوة العلم والبحث العلمي المتطور كما يحدث في الصين وروسيا اللتين تمضيان بقوة لإعادة ترتيب النظام العالمي من جديد لصالحهما.
اقتحام عالم المعرفة والرقمنة يتطلب كما قال الرئيس السيسي مزيداً من أنشطة البحث والتطوير المبتكرة في جميع المجالات الحديثة، وخلق الرغبة لدى الطلاب في تحقيق مستوى تعليمي يتناسب مع العصر وبذل أقصى الجهد لحيازة المعايير المطلوبة للالتحاق بكليات ذات جودة عالمية؛ فوظائف المستقبل كما قالت وزيرة التخطيط د.هالة السعيد تتطلب مهارات مختلفة مثل علوم البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي ومهارات سلوكية أخرى خاصة بالقيادة أصبحت شرطاً لدخول المستقبل وردم الفجوة بين سوق العمل ومخرجات التعليم حتى نحافظ على وجودنا في العصر الجديد الذي لن يعترف إلا بالأقوياء..والأقوياء فقط.!!