رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

من رحم ثورة 23 يوليو ولدت جريدة الجمهورية؛ وتحديداً في صباح الاثنين 7 ديسمبر 1953؛ لتكون المدافع عن أحلام الثورة وآمالها في وجه من أرادوا إطفاء جذوتها التي أثمرت حركة تحرر عابرة للقارات إن جاز التعبير، ذاقت بفضلها دول عديدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية طعم الحرية وتخلصت من قيود الاستعمار والإمبريالية البغيضة.

ومع جريدة الجمهورية بدأتُ رحلة كفاح امتدت لنحو 45 عاماً، مرت بحلوها ومرها بنجاحها وعثراتها ..عاصرت فيها الكثير والكثير من الأحداث والأشخاص والمواقف والتحولات الكبرى..رأيت من تلون ومن نافق..من أخلص ومن كافح في بلاط صاحبة الجلالة التي لم تبخل علينا ولم نتوان عن البذل والعطاء ما وسعنا الجهد..رأيت شلة المنتفعين في كل عصر الذين يلتفون حول المسئول –أي مسئول في أي موقع- ما دام في منصبه ..وتتكرر للأسف الأخطاء ذاتها وكأن هذا المسئول لم يتعظ بما صار إليه من سبقه ولا بما جرى لغيره وكأنه يأبى إلا أن يتعظ بنفسه؛ فتراه يقرب إليه في أحيان كثيرة المنافق والمتلون ومن يجيد اللعب على كل الحبال والأكل على كل الموائد.

وفي التاريخ دروس وعبر وتجارب لا تحصى ..وها هي أحداث يناير تكشف لنا زيف البعض وكيف تغيروا في طرفة عين من النقيض إلى النقيض وانقلبوا على من كانوا يتملقونهم بلا حياء ولا خجل.

نجاحي في الثانوية العامة بمجموع كان يؤهلني للالتحاق بأي كلية يتمناها خريج القسم الأدبي أيامها، لكني مدفوعاً بعشقي للصحافة فضلت معهد الإعلام الذي حل بديلاً لقسم الصحافة بآداب القاهرة..وكانت تلك أولى محطاتي في الحياة؛ فقد تقدمت للمقابلة الشخصية التي كان معهد الإعلام يشترط اجتيازها لمن يريدون الدراسة فيه، و تقدم لها نحو 1000 طالب اقتصر القبول على نحو مائة وخمسين منهم.. ويومها التقيت رائد المهنية والالتزام، الهاديء المبتسم الذي يؤسرك بشخصيته فتنجذب إليه بصورة طبيعية.. عرفت بعدها أنه الصحفي الكبير جلال الدين الحمامصي أحد أعضاء اللجنة المختصة بتقييم المتقدمين للمعهد.

تأثرت به مع كثيرين غيري من أبناء دفعتي، ولمَ لا وقد كان الحمامصي أحد رواد الكتابة والحملات الصحفية والإخراج وصاحب المقالات القوية والبصمات المميزة..تربى على يديه أجيال عديدة من أرباب القلم، وترك فيهم جميعاً بصمات واضحة ومشهودة.

لقد أحببت هذا الرجل النموذج في العطاء والالتزام الذي لا يضن بعلمه ولا بوقته، يبادر بالحضور قبل المحاضرة ويدفعك بحرصه وحيويته واقتداره إلى التفاني في التحصيل الدراسي والاجتهاد والإبداع..وتشربنا على يديه مباديء الصحافة وأساسياتها في قاعات الدرس وفي التدريب العملي بجريدة صوت الجامعة، وتعلمنا اكتشاف الأخطاء المهنية في الصحف وربطها بحرية الصحافة والمسئولية الأخلاقية والمهنية.

جلال الحمامصي رحمه الله كان مدرسة متفردة في الصحافة وفي التواصل الإنساني مع تلاميذه، كان يرهف السمع إلينا، ويتفاعل مع أفكارنا ويحترم حقنا في الاختلاف ..حبّب إلينا مهنة الصحافة وأخذ بأيدينا لارتيادها بشغف ورغبة في تحقيق الذات حتى اجتزنا أولى محطاتها وأجملها لألتحق بعدها للعمل محرراً بجريدة الجمهورية التي كان يرأس تحريرها آنذاك الصحفي الكبير محسن محمد بقرار من الرئيس السادات عام 1975.

والحق أني عرفته قبلها منذ كان مديراً لتحرير الأخبار وقد طلب مني الانتقال معه للجمهورية بعد أن جرى تكليفه برئاسة تحريرها..تعلمت على يديه الكثير فقد كان قارئاً جيداً وصحفياً من طراز فريد يعرف كيف يجذب القراء وقد ارتفع بتوزيع الجمهورية من 38 ألف نسخة إلى 800 ألف، وهو رقم غير مسبوق ليس في الجمهورية وحدها بل في كل الصحف المصرية والعربية آنذاك.

و كانت "الجمهورية" أجمل محطات حياتي حيث صدر قرار تعييني فيها دون واسطة ولا محسوبية ؛ فلم أكن أعرف وأنا القادم من الريف وقتها مسئولاً كبير ولا حتى صغيراً ليتوسط لي عند محسن محمد الذي كان يرفض المجاملة والوساطة في العمل ولا يرضى بغير الكفاءة والمهنية معياراً ومسوغاً للتعيين..وقد نجح بفضل هذه الصفات في تجديد شباب الجريدة وارتياد آفاق غير مسبوقة في دنيا الصحافة حتى أنه في رأيي وبلا مبالغة واحد من صناع صحافة القاريء في عالمنا حتى هذه اللحظة.

هذه كانت بيئة العمل في الصحافة في زمنها الجميل فلم يدخلها إلا من يملك مقومات الجدارة والاستحقاق والمهارات الحقيقية لمهنة القلم وإدراكا لقدر الرسالة ومقامها الرفيع الذي تهاوي للأسف تحت أقدام المحسوبية والابتزاز والانفلات الذي ضرب كل شيء في بلدنا بعد أحداث يناير..ودخل المهنة من لا يملك أدنى متطلباتها علماً وخلقاً وفهماً ..حتى صارت مهنة لا مهنة له..وبنظرة فاحصة لأعداد المقبولين بجداول نقابة الصحفيين في السنوات العشر الأخيرة ندرك كم جنينا على الصحافة وعلى مستقبلها ..وأي مصير أوردناها..؟!

الغريب أن معهد الإعلام الذي التحقت به قبل أربعة عقود تحول إلى كلية تخضع لمكتب التنسيق وانتهى عهد الاختبارات التحريرية والمقابلات الشخصية التي كان لابد من اجتيازها كشرط لقبول المتقدمين إليه.

وبعد رحلة كفاح في صاحبة الجلالة ترقيت في عملي من محرر لرئيس قسم ثم نائباً لرئيس التحرير ثم نائباً أول، فرئيساً لتحرير كتاب الجمهورية ثم رئيساً لمجلس إدارة دار التحرير (الجمهورية للصحافة) والحمد لله أني مع كل صعود في عملي لم أكن أطلب ترقية ولا منصباً من أحد، بل كان توفيق الله وإيماني أولاً بأنه تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً هما سندي ودافعي للاجتهاد ثم حبي للمهنة هي أهم مؤهلاتي للنجاح فيها.

وثمة محطة أراها مهمة في مشواري الصحفي وهي تكليفي من الكاتب الصحفي الكبير سمير رجب رئيس مجلس إدارة مؤسسة دار التحرير بتأسيس والإشراف على قسم 139 جمهورية هكذا سماه، وهو أيضاً "الخط الساخن"، بالإضافة إلى عملي كنائب أول لرئيس التحرير ومسئول عن ملف النقل والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

ولعلني لا أبالغ إذا قلت إن "139 جمهورية" خدمة صحفية انفردت بها الجريدة وامتازت على على سائر الصحف وقتها ليس في مصر وحدها بل في العالم العربي كله؛ وكان مندوبوه الذين شاركت في اختيارهم كشرط لقبول الإشراف على القسم، فضلاً على التواصل المباشر مع "الديسك"..هؤلاء المندوبون لا يكلون ولا يملون العمل ليل نهار، منهم من يتلقى شكاوي الناس واستغاثاتهم واتصالاتهم، مصغياً لمتاعبهم وأوجاعهم، ، ومنهم من كان يطوف بها على المصالح والأجهزة الحكومية المختلفة ويطرق أبواب المسئولين بحثاً عن حق تأخر عن صاحبه، أو دفعاً لمشقة قد لا يطيقها ذوو الحاجة والأعذار .. ومنهم من يقوم على صياغتها وإعدادها للنشر ويحيل تلك الشكاوي والاستغاثات إلى تحقيقات وحملات صحفية عاجلة حققت نجاحات باهرة شكلت قناة تواصل سريعة بين المسئول والمواطن، وهي شكاوي يومية كانت تنهمر لدرجة أنها يمكن أن تملأ 5 جرائد كاملة.

139 جمهورية كانت يخاطب جميع فئات المجتمع، لكن البسطاء والفقراء كانوا انحيازه الأول حتى أن الفكرة تطورت لتخصص باباً لأعمال الخير ومساعدة المحتاجين وتقديم العلاج المجاني لمن لا يقدر على شرائه بعد التأكد من حالة طالبي الخدمة بطرق موضوعية.

امتاز خط الجمهورية الساخن بديناميكة اكتسبت فعاليتها من الاسم والرقم المختصر الذي كان أيقونة صحفية فريدة أسهمت في سرعة الاستجابة لمشكلات الناس وقدمت لهم ما ينفعهم، وعمقت الدور المجتمعي للجريدة وهو ما زادها انتشارًا وتوزيعًا بالضرورة؛ فكانت الفائدة مزدوجة؛ ربح منه الجميع، المواطن والحكومة والمهنة..ولست أدري لماذا انطفأ هذا التوهج..وتراجع هذا الدور بعد استقالتي من منصبي كرئيس لمجلس إدارة الجمهورية في 2011؛ فلم يهتم من خلفني في إدارة المؤسسة بهذا القسم المهم وإسهاماته الحيوية في خدمة الناس وتنشيط الجريدة.

ولم يكن 139 جمهورية وحده من تأثر سلباً بأحداث يناير 2011؛ ذلك أن الانفلات والتراجع والانقسام كان سمة كل شيء في هذا البلد وقتها، ومن ثم فقد بادرت بتقديم استقالتي من رئاسة دار التحرير دون تردد في اجتماع دُعيت إليه ضمن قادة الإعلام القومي والخاص مع رئيس الوزراء آنذاك الفريق أحمد شفيق ومن قبله في اجتماع المجلس العسكري .. كما طلبت من جميع الزملاء ومعظمهم حي يرزق أطال الله في أعمارهم أن يتنحوا عن مواقعهم لإفساح الطريق لجيل جديد يتماشى مع المرحلة الجديدة، ويعبر عنها بصدق وواقعية، ويستجيب للمطلب الأول للمتظاهرين بإبعاد كل من له صلة بالنظام السابق.

بالفعل تقدمت باستقالتي 3مرات ومعي الزميل عبدالقادر شهيب رئيس دار الهلال وقتها إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة وفي النهاية تم قبولها، بعد أن رفض بقية الزملاء ترك مواقعهم طواعية ومواءمة لظروف كانت تحتم الاستقالة التي كانت ستجيء عاجلاً أم آجلاً..وربما كان قبولها سبباً عجل بإجراء تغييرات صحفية جديدة لقيادات الصحف..ويومها أدركت أن الإعلام القومي صمام أمان هذا البلد، وإصلاحه أولوية ينبغي لها أن تتقدم ما سواها في الأهمية إذا أردنا شعباً واعياً وحيوية مجتمعية وروحاً معنوية عالية ورأياً عاماً داعماً للدولة.

إصلاح الإعلام وتنميته وإعادة الاستثمار فيه وضخ دماء جديدة في شرايينه يصب في الصالح العام ويشكل حائط صد ضد رياح الفتن والتشويه وتزييف الوعي وهو ما أدركته الدولة بعد 30 يونيو وسعت لإصلاحه وترتيب أوضاعه..وهو ملف يحتاج للمزيد والمزيد من التطوير والعلاج حتى يواكب المستجدات ويؤتي أكله.

الإعلام رسالة تنوير وإفصاح ووسيلة ديمقراطية يراقب بها الشعب حكومته وممثليه في البرلمان، ونافذة تثقيف للعقل وتحريره من أوهام الجهل والتعتيم ..والأهم أنه حائط صد ضد محاولات استهداف العقل وأركان الدولة.

وليكن ما حدث بعد يناير حاضراً في الأذهان لنتذكر كيف ضرب الانفلات كل شيء في مصر واهتزت بسببه منظومة القيم وساعد الإعلام للأسف على تكريس العنف وضيق الصدور بحق الاختلاف وها هي الدولة تسعى لإصلاح ما أفسده إعلام ما بعد يناير.

لجريدة الجمهورية التي نحتفل بعيد تأسيسها ال68 هذه الأيام باع طويل في نشر الثقافة، فلم تقتصر منذ انطلاقها على مجال الصحافة من رأي وخبر وتحقيق وتقارير تتناول الشأن العام فحسب بل جعلت توفير الخدمات الاجتماعية والثقافية هدفاً تسعى إليه، لتقديم زاد حقيقي في التثقيف السياسي والأدبي والعلمي والرياضي.. الجريدة أرادتها ثورة يوليو لساناً ينطق باسمها ويتبنى قرارها ومواقفها؛ لكنها أخلصت لقرائها وسايرت الأحداث الكبرى وناصرت قضايا وطنها وأمتها وناضلت ضد الاستعمار ومدت يد العون لحركات التحرر في سائر قارات الدنيا وقاومت الإمبريالية الظالمة..وقد أريد للجريدة أن تكون صحيفة رأي لكنها سرعان ما تجاوبت مع متطلبات العصر وتحولت كغيرها من بنات زمانها إلى صحافة الخبر الذي تربع وقتها على عرش الصحافة وانفرد بها قبل بزوغ ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وهكذا انتقلت الجمهورية بقدرة مدهشة من جريدة للثورة إلى جريدة الشعب؛ تدافع عن حقوقه،وتتبنى قضاياه وتخاطب جمهوراً عريضاً متنوعاً يجد ضالته المنشودة على صفحاتها وأبوابها المختلفة؛ ومن ثم اكتسبت مكانتها ليس لكونها بنت الثورة بل بحسبانها صوت الشعب وساعده الأيمن في نيل حقوقه ودرء الظلم عنه.

وفي مسيرتها تاريخ عريق ازدان بعمالقة الفكر والأدب؛ فعميد الأدب العربي طه حسين كان واحداً من رؤساء تحريرها وهو ما جعلها ديواناً للأدب ونبراساً للثقافة.. كما أسهم في تحريرها كبار الكتاب ليس في الأدب وحده بل في الفنون والقانون والتاريخ والدين والطب والعلم ويضيق المقام عن ذكر هؤلاء القامات الأفذاذ.

ويعتريني شعور بالفخر كوني واحداً ممن عملوا في جريدة الجمهورية سواء كنت محرراً أو مسئولاً عن إدارتها ..وأفخر بأني تعلمت على أيدي رواد يتقدمهم أستاذ الأساتذة جلال الدين الحمامصي؛ مروراً بالقدير محسن محمد وانتهاء بالكاتب الكبير سمير رجب ..وغيرهم ولهم جميعاً كل التقدير والامتنان..وللجريدة كل الأمنيات بأن تبقى ومعها كل إصدارات دار التحرير نافذة للتنوير يطل منها القراء ويجدون فيها ما ينفعهم وما يمكث في الأرض..كل عام وجمهوريتنا الحبيبة بخير.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة