رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عيون الشعب

فى العام القادم .. يمر ٢٠٠ عاما على نجاح فرانسوا شامبليون .. فى كشف غموض اللغة الهيروغليفية .. وبالتحديد يوم ١٤ سبتمبر ١٨٢٢ .. وهو عالم فرنسى متخصص فى دراسة اللغات .. وقد حصل على لقب شامبليون .. من اسم المدينة التى ولد فيها ( Champollion Figeas ) .. كان عمره وقت هذا الاكتشاف العظيم ٣١ سنة .. لكنه قضى حوالى عقدين من الزمان فى دراسة اللغات القديمة .. بدأ شامبليون .. وهو فى سن الثالثة عشر .. دراسة اللغة العربية والكلدانية والسريانية .. بعد ان كان قد درس اللاتينية والعبرية .. وبعد ذلك اللغتين الصينية والفارسية .. ولحسن الحظ .. كان حاكم المقاطعة التى يقيم فيها شامبليون .. جاك فوربيه .. قد سبق له العمل فى مصر .. وعند عودته لفرنسا .. احضر معه أوراق بردى ومقتطفات من اللغة الهيروغليفية منقوشة فى الحجر .. قدم كل هذه المنقوشات باللغة الهيروغليفية .. الى شامبليون .. الذى فرح بها .. لدرجة لا توصف .. كانت ميزة شامبليون .. دراساته المتعددة .. فقد كان مؤرخ وعالما باللغات واخصائيا فى الجماليات .. لم يكن مولعا بالقراءة فحسب لكنه واسع الاطلاع ويستمتع بحاسة استبصارية قوية .. يعتبر واحد من اعظم عباقرة العالم .. بل ومن المخترعين فى عالم اللغات .. أصدر شامبليون .. كتابا بعنوان : " مصر فى عهد الفراعنة " .. وهو فى التاسعة عشر من عمره .. وبدأ يحقق تقدما .. خطوة .. خطوة .. حيث اشار الى ان الحروف الهيروغليفية .. تصدر اصواتا .. وان المصريين .. لا يكتبون حروف العلة فى لغتهم ..وبرهن شامبليون على وجود علاقة لغوية بين الخطوط المصرية الثلاث : الهيروغليفى والكهنوتى والديموطى .. وانها تنتمى لمنظومة واحدة .. ثلاثة خطوط للتعبير عن لغة واحدة : الاول خطا مقدسا .. والثانى خطا عاديا مكتوب باليد .. والأخير خطا شعبيا ( يستخدمه المصريون فى حياتهم اليومية ) .. واكتشف شامبليون اسس الكتابة المصرية .. انها ترسم تارة .. واخرى أصوات اللغة .. لقد اتضح امام شامبليون .. كل شئ عن هذه اللغة .. بعد ثلاثة عشر قرنا من الغموض ..لم يكشف شامبليون .. الا عن جزء من اكتشافه ..إذ كان فى حاجة .. لإجراء مراجعة واعادة فحص .. ولم يعلن عن اكتشافه كاملا .. الا بعد عامين من الدراسة والمطابقة العلمية والعملية .. ويصدر شامبليون بعد العامين دراسة كاشفة بعنوان : " موجز المنظومة الهيروغليفية عند قدماء المصريين " .. قال : انها منظومة مركبة .. فكل نص وكل جملة تشتمل على كتابة منقوشة ورمزية ومنطوقة فى وقت واحد .. بل ويمكننى القول .. بأن كل كلمة تقريبا .. هى كذلك .. وهنا يقفز السؤال .. لماذا انتظر شامبليون عامين .. بالرغم من أنه توصل لمعرفة كل مفاتيح هذه اللغة ؟ لماذا ؟ .. هل هى دقة العالم المتخصص .. او حصافة المكتشف الذى يشعر بالغيرة .. على عمله .. فيسعى للاتقان والاجادة .. يجيب الكاتب والمورخ الفرنسى جان لاكوتير ( Jean Lacouture ) .. الذى كتب سيرة حياة شامبليون : ان المكتشف ( شامبليون ) .. يريد ان يقدم دلالته الباهرة .. المتمكنة .. لمعرفة الحياة اليومية والأشكال الفنية والتسلسل التاريخى للصروح المصرية .. كما ان الانقاض الصامتة والكتابات المنقوشة .. لن تتوقف عن الكلام .. فكل شئ اصبح متاحا .. بفضل رجل عبقري فرنسى .. من هنا ولد علم جديد .. ويبقى ان يتأكد شامبليون من صحة اكتشافه .. ذهب إلى متحف تورين بايطاليا .. حيث توجد مجموعة رائعة من الاثار المصرية .. اشتروها اصحاب المتحف من برناردينو دروفيتى قنصل فرنسا فى مصر فى ذلك الوقت .. ووصف شامبليون ما وجده فى المتحف الإيطالي .. بأنها مجموعات فى غاية الروعة .. وضعت بتنسيق ونظام رائع .. وأننا يمكن ان نعرف تاريخ مصر .. عن طريق هذه الاثار .. وأضاف .. بأن الكثير يحضرون له مومياوات او برونزيات او مسكوكات .. وفى بعض الأحيان احجارا كريمة .. فقد كان صاحب المتحف يشترى كل ما يقع بين يديه !! ومن مفارقات القدر التى كشفها شامبليون .. ان القنصل الفرنسى فى مصر .. باع ٨٢٧٣ قطعة أثرية من بينها حوالى مائة تمثال ضخم !! وكاد يغمى على شامبليون .. من كثرة وعظمة هذه الاثار .. كنوز امامه من لوحات وتماثيل نصفية .. تحف برونزية .. مسكوكات ذهبية وفضية وأوراق بردى .. المفاجأة .. كما وصفها المؤرخ والكاتب الفرنسى روبير سوليه .. فى كتابه البديع .. " مصر ولع فرنسى " .. ان شامبليون .. لم ير إلا جزءا من الغنيمة .. التى لا تزال غالبيتها داخل صناديق لم يتم افراغها بعد !!!! انظروا الى ما هو أكثر من ذلك .. تمكن شامبليون من وضع خمسة آلاف قطعة فنية .. من الاثار المصرية .. فى الدور الأول .. من الفناء المربع لمتحف اللوفر ! .. ويذهب شامبليون .. لأول مرة .. بعد ذلك .. الى مصر .. وفى يوم ١٨ اغسطس ١٨٢٨ .. اى بعد الحملة الفرنسية على مصر بثلاثين عاما .. يضع شامبليون قدمه ومعه اعضاء بعثة فرنسية من ٩ علماء .. من السفينة الى أرض الإسكندرية .. مصر .. مصر .. شامبليون فى مصر .. مبتهجا .. فرحا .. سعيدا .. انه موسى فى أرض الميعاد .. وقد شعر بانه ملك .. على حد تعبير روبير سوليه .. ونفس التعبير قاله جان لاكوتير .. وبعد عشرة أيام من وصول شامبليون لمصر .. كتب لشقيقه يقول : اننى اتحمل حرارة الجو بأقصى ما أستطيع .. يبدو اننى قد ولدت فى هذه البلاد .. فالبعض من الفرنسيين .. يرون ان سماتى تتشابه تماما مع سمات المصرى .. فوجهى شرقيا .. وقد اكتسبت الكثير من عادات هذه البلاد .. اشرب الكثير من القهوة .. وادخن النارجيلة ( الجوزة الشيشة ) ثلاث مرات يوميا .. ويمكن القول .. اننى اذوب فعلا فى هذه البيئة .. واستقبل محمد على ( حاكم مصر ) .. شامبليون .. وطلب محمد على منه .. كتابة تاريخ الاثار القديمة .. وقدم محمد على العديد من الهدايا القيمة لشامبليون .. تقديرا لنجاحه فى كشف غموض اللغة الهيروغليفية .. وطلب شامبليون من محمد على .. وضع نظام صارم للمحافظة على الاثار وعدم سرقتها وتخريبها .. ولم يفعل محمد على .. شيئا .. ونفس الطلب كرره .. بعد بضعة أعوام .. رفاعة الطهطاوى .. عقب عودته من فرنسا .. ومشاهدته للاثار المصرية هناك .. ولم يحدث اى شئ ايضا .. الى ان جاء الفرنسى اوجوست مارييت ( Auguste Mariette ) .. ليقيم اول مصلحة للاثار فى مصر .. ولابد ان نتوقف امام حجر رشيد .. الذى ساعد شامبليون فى كشف غموض اللغة الهيروغليفية .. فقد تضمن هذا الحجر .. على ثلاث نسخ لنص واحد .. احداهما باليونانية .. والثانية بالديموطية والثالثة بالهيروغليفية .. وقد ذهب لانجلترا .. خصيصا .. من اجل لغة هذا الحجر .. وقبل ان اختم مقالى .. انقل لكم اهم اعتراف نطق به شامبليون كما قاله .. ونقله .. كبار الكتاب من المؤرخين الفرنسيين .. يقول شامبليون : دامت رحلتى ١٩ شهرا فى مصر .. اكتشفت ٥٠ موقعا .. دونت نتائج هذه الرحلة فى ٦ مجلدات كبيرة .. وامام معبد الكرنك .. يقف شامبليون .. قائلا : لسنا فى اوروبا سوى اقزام .. لا يوجد شعب قديم او حديث تصور الفن المعماري كما فعل المصريون .. بمثل هذه المهابة والفخامة والرحابة .. لقد تصوروا هذا الفن باعتبارهم رجال ترتفع قاماتهم الى مائة قدم .. ان الابداع .. الذى يحلق فوق اروقتنا فى اوروبا يسقط عاجزا عند أقدام بهو الاعمدة فى الكرنك الذى يضم ١٤٠ عمودا .. ومنح الملك لويس الثامن عشر ملك فرنسا .. صندوق من الذهب لشامبليون .. ويستقبله البابا ليون الثانى عشر .. بابا الفاتيكان .. واقترح عليه تعيينه كاردينالا .. تقديرا لاكتشافه اللغة المصرية القديمة .. ولكنه يعتذر .. وكل ٢٠٠ سنة ومصرنا العظيمة بخير .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة