رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

كانت مصر على عتبات مرحلة جديدة .. مازالت ثورة يوليو وليدة .. بالكاد تم إعلان الجمهورية فى ١8 يونيو 1953.. وكان لا بد من صوت يعبر عن التغيرات التى تعيشها البلاد .. ومن منبر يقود التوعية لجماهير الشعب .. فكانت «الجمهورية» التى جاء ترخيصها باسم جمال عبد الناصر و صدر العدد الأول منها يوم 7 ديسمبر 1953 حاملاً اسم أنور السادات كمدير عام « منصب رئيس مجلس الإدارة الآن » وتولى رئاسة تحريرها حسين فهمى .

ظلت «جمهورية مصر الصحفية» مرآة للمجتمع ودفتر أحوال الوطن وسجل يومياته وأرشيف إنجازاته وانكساراته طوال 68 عاماً.. إليها يلجأ البسطاء بهمومهم فتساهم فى حل مشاكلهم.. وتنقل كل الآراء والأفكار.. و السباقة فى تلبية مختلف الاهتمامات من خلال صفحاتها المتخصصة .. وكـان صحفيوها ومحرروها يحملون مشاعل النور ويساهمون بأقلامهم فى تشكيل وعى الجماهير.. وكانت تحقيقاتهم الميدانية معبرة عن رجل الشارع وناقلة لنبضه .

انحازت إلى المواطن.. وجعل الصحفيون المصداقية والحقيقة رسالتهم فأصبحت « الجمهورية » هى المتحدث الرسمى للشعب ولسان حاله والمعبرة عن ثوراته .. وكل من يريد أن يتعرف على الحياة فى مصر خلال ال 68 عاماً الماضية فليعد إلى أرشيف الجريدة ويقرأ سيعرف الكواليس والأسرار .. ويتعرف على أهم الأخبار والأحداث .. وسيجد نجوم المجتمع ومن لعبوا أدوار البطولة فى السياسة والاقتصاد والأدب والثقافة والرياضة .. ومن خلال أبوابها المتخصصة سيجد كل ما يهم الموظف والعامل والفلاح والشباب والمرأة .

عبر تاريخها كانت رائدة الابتكار فى عالم الصحافة .. فهى الأولى فى معظم فنونها .. صاحبة أول ملحق رياضى وتعليمى وكان أول موقع إلكترونى فى الصحافة المصرية باسم «الجمهورية» ومنذ عام 1968 تنظم رحلة أوائل الثانوية إلى أوروبا .. وأول من نبه إلى المشكلة السكانية وخصص لها أبوابا ثابتة.

دائما ما تفرز « الجمهورية » قيادات وكـوادر تستعين بهم المنظمات الدولية والإقليمية والعربية نظرا لكفاءتهم وخبرتهم .. وكان شبابها فى السبعينيات والثمانينيات ينتشرون فى صحف العالم العربى خاصة دول الخليج وينهضون بها .. كما تولى رئاسة تحريرها العديد من القمم أمثال الدكتور طه حسين عميد الأدب العربى والشاعر الكبير كامل الشناوى والأساتذة الكتاب الكبار أحمد قاسم جودة وإبراهيم نوار ومصطفى بهجت بدوى وفتحى غانم وموسى صبرى ومحسن محمد ومحفوظ الأنصارى وسمير رجب ومحمد على إبراهيم ومحمود نافع وجمال عبدالرحيم والسيد البابلى .. والحمد لله الذى شرفنى بأن أفخر كصحفى بالجلوس مكان هذه القامات حتى سلمت الراية إلى الزميل الكاتب عبدالرازق توفيق الذى يقود المسيرة مع شباب الجيل الجديد الذى يثبت ان مصر « ولادة ».. كما ان مسألة الانتماء العربى محسومة عند كل من انتسب لـ « الجمهورية » .. بدليل أنها الصحيفة القومية الوحيدة التى تولى رئاسة تحريرها صحفى غير مصرى هو الكاتب الفلسطينى ناصر الدين النشاشيبى الذى عينه عبدالناصر ضمن رؤساء للتحرير ليثبت ان فلسطين فى قلب كل مصرى و« جمهورى » .

لم تفقد « الجمهورية » البوصلة التى تحدد اتجاهها .. وظلت ملامح وقسمات السياسة التحريرية منذ اليوم الأول تستهدف الاهتمام بهموم الناس ومصلحة الوطن وان تكون هى جريدة الشعب وثوراته فهذا دورهـا ورسالتها منذ 68 عاما .. كانت دائما تعبر عن الواقع وتستشرف المستقبل .

أعود بالذكريات إلى يومى الأول فى المبنى القديم بشارع زكريا أحمد وكانت البداية فى قسم التحقيقات عندما كنا نحبو فى بلاط صاحبة الجلالة ونحن طلاب بكلية الإعلام وفتح لنا الباب الأستاذ محسن محمد للتدريب .. وكم كانت سعادتى عندما نُشر اسمى لأول مرة على تحقيق فى بدايات عام 1975 كدت أطير من الفرح وظننت وقتها أننى أمير الصحافة محمد التابعى ثم اكتشفت ان الطريق طويل وشاق ولا بد من العمل بجد وإخلاص فى مهنة البحث عن المتاعب .. ولكن ما ساعدنا جميعا كشباب هو جو الألفة والمحبة الذى تميزت به « الجمهورية » التى أصبحت بيتنا نقضى فيها معظم أوقاتنا وأيامنا .. فى الصباح نذهب لعمل التحقيقات ومقابلة المصادر وفى المساء نجلس بجوار غرفة «التيكرز» لنقرأ ما تبثه الوكالات فنجد عم ربيع أو عم حسن الأسمر - رحمهما الله- يأخذها ويذهب بها إلى الديسك لنائب رئيس التحرير السهران إما الأستاذ محمد الحيوان أو عبدالعال الباقورى أو عدلى برسوم أو محيى الدجوى أو علاء دوارة أو ناجى قمحة نجلس بجوارهم لنتعلم كيف يقومون بصياغة الأخبار ويكتبون العناوين والمانشيتات .. وعندما انتقلت إلى سكرتارية تحرير العدد الأسبوعى تعلمت كثيرا من أساتذتى محمد أحمد عيسى ومصطفى الشريف وسمير رجب وعصمت حامد ومحمد أبوالحديد .. وكانت سعادتنا عندما نرى الأساتذة حافظ محمود أول سكرتير عام لنقابة الصحفيين وإبراهيم الوردانى صاحب رواية برديس ومأمون الشناوى الذى كان يحرر باب « جراح قلبى ».. وأستاذنا عبدالرحمن فهمى الأديب الرياضى ابن الأصول والاستاذ جلال العريان الذى تعلمنا منه خبايا اللغة العربية والاستاذ اسماعيل الشافعى رئيس قسم الأخار و " برنس الصحافة " .

كنا مجموعة من الشباب دخلنا الصحافة من باب مدرسة الجمهورية التى افتتحها لنا " الناظر " محسن محمد رئيس التحرير رغم اننا كنا مازلنا طلبة فى الجامعة.. واذكر منهم السيد البابلى ومحمد نور الدين ومجدى سالم وعلى هاشم وزياد السحار ومصطفى غزال وأحمد المنزلاوى ومحمود نافع وجمال كمال ومحمد اسماعيل وعبد العزيز خاطر ومحمد حامد وأحمد غريب ويوسف ومحمد خليفة وعوضين الشريف وهانى صالح ومحسن حسنين وسميرة صادق وآمال حسن وسمية أحمد وسمية عبد الرازق وغيرهم مما كان " اساتذتنا الكبار فى الجريدة " يطلقون علينا " الطلبة أو عيال محسن محمد " وهؤلاء أصبحوا نجوماً فى الصحافة ومنهم من أصبح رئيس مجلس إدارة أو رئيس تحرير .. وكنا عندما نمر على غرفة الاستاذ محسن نجد « عم عبدالعظيم » على الباب يعاملنا برفق كأننا أبناؤه .. ويطلب منا أن نأخذ مقالات الأساتذة جلال السيد ومحمد الخولى ورأفت الخياط .. وندخل قسم الترجمة لنرى الأستاذة أميمة أبوالنصر وأحمد العزبى شقيق الكاتب الكبير أستاذنا محمد العزبى الذى تعلمنا منه الكثير فى المهنة وفى الأخلاق والتعامل .. ويجلس على يمين القسم الخارجى الأستاذ سامى الرزاز الذى اختطفته الأمم المتحدة باعتباره أحد أفضل المترجمين فى العالم .. وبجواره الأستاذ عصام خلف الذى أصبح مسئولا عن مكتب وكالة رويترز .. وأحمد طه النقر قبل أن ينتقل للأخبار.. وإذا اتجهنا لأول غرفة بجوار السلم فى الدور الثانى لوجدنا قسم الرياضة وما أدراك ما كان شأن هذا القسم برئاسة أستاذنا ناصف سليم ومعه محمود معروف وعصام سالم ويسرى عبداللطيف ومحمود الربيعى وعبداللطيف خاطر وجمال هليل وماجد نوار وحسين محمود وجلاء جاب الله وحسن الرشيدى ومحمد جاب الله.. وعم «اسطامولس» اليونانى الذى كان يترجم أخبار الرياضة العالمية .. كانت الرياضة فى هذه الفترة أهم الأقسام .. وكانت الجماهير تأتى إما لتهتف لناصف سليم ومحمود معروف .. وإما تقذف الجريدة بالطوب طبعا حسب الفريق الفائز و ما تحمله مانشيتات الصفحة الأخيرة التى تقرأ الجريدة منها وليس من الصفحة الأولى .. وجاء بعدهم طارق الأدور وجمال المكاوى ومحمد الدمرداش وعلى معالى ليواصلوا مشوار التميز للجريدة فى تغطية الأحداث الرياضية والاهتمام باللعبات " الشهيدة " واندية الدرجة الثانية .

كنا نحن الشباب وقتها نطلق على الكاتبات الكبار « هوانم الجمهورية » ومنهن الأستاذات علية الصالحى ونفيسة الصريطى وفيفى العريان وناهد المنشاوى وفريدة عباس وإيفون سعد .

لا يمكن أن ننسى نجوم المطبعة الذين كانوا يطبعون الجريدة بالأحرف الرصاص قبل التحول إلى البرومايد ثم إلى الكمبيوتر .. وكان عم عفيفى هو المسئول عن الصفحة الأولـى ويعاونه أحمد عبدالفتاح وعم رمضان وعم سمير وهانى وفهمى وعتريس وغيرهم وكان رئيسهم عم طنطاوى الذى يضبط ايقاع العمل كالساعة بصوتة الجهورى لتلحق الصفحات بموعد ارسالها " للكبس " ودوران المطبعة لتكون فى أيدى القراء .. أما عم عزت فله حكاية كادت أن تؤدى إلى فصلى من العمل وأنا مازلت تحت التمرين .. فقد كان هناك خطاب للرئيس السادات عام 1978 وكنت سكرتير التحرير المسئول يومها وأرسلت الخطاب للجمع وخصصنا له 3 صفحات وصدرت الطبعة الأولى .. وإذا الدنيا تنقلب حيث قام مكتب الصحافة بالتحدث إلى الأستاذ محسن محمد رئيس التحرير وأخبره أن الخطاب نُشر ناقصا ومبتوراً فطلب منى تقصى الأمر فنزلت للمطبعة إلى عم عزت الذى أخبرنى انه ملأ الصفحات الثلاث والباقى لم يجد له مكانا فرماه وقال : « أمال أعمل ايه أقوم بمط الشاسيه الحديد » .. قلت له يا عم عزت تختصر خطاب رئيس « الجمهورية » فضحك وقال هو « اللى اتكلم كتير » .. قمنا على الفور بعمل طبعة سريعة لتلافى الخطأ وفتحنا صفحة جديدة وضعنا فيها ما اختصره « عم عزت » وطبعا أخذت « لفت نظر » لأن الأستاذ محسن لما قلت له ما حدث ضحك واكتفى بلفت النظر !!

بالطبع لا يمكن أن أذكر كل نجوم « الجمهورية » فى مختلف عصورها وأجيالها .. سواء من المحررين أو الكُتاب أو العمال والإداريين ولا ننسى المصورين وعمال المطبعة والأرشيف فهؤلاء الجنود الذين يقدمون للقراء جريدتهم كل صباح مع فنجان القهوة .. ولم يتخلفوا يوما مهما كانت الظروف ورغم كل المعاناه .. فأطال الله فى عمر من بقى منهم ورحم من سبقونا إلى الآخرة .. فهذه جمهوريتنا .. وهؤلاء بعض نجومها الذين قدموا جهدهم وعرقهم وفكرهم لمصر وشعبها.. فكل عام وهم بألف خير فى عيدهم و تحيا " جمهورية مصر الصحفية " !!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة