أبيض وإسود
"تلال من الأكياس السوداء والملونة، تنبعث منها روائح عفنة، بجوارها صندوق قمامة ممتلئ، يتوقف أمامه تروسيكل يقوده رجل رث الثياب، يتحرك بسرعة بين التلال والصندوق يبعثرها، يخرج أحشائها- يسمونه الفريز- من زجاج وبلاستيك وحديد وبقايا منزلية ويضعها في صندوق التروسيكل، ويتحرك وتعلو وجهه ابتسامة صفراء" هذا المشهد كان المقرر اليومي لعموم المصريين بالقاهرة في الأحياء الراقية والأحياء الفقيرة علي مدي أكثر من ثلاث عقود.. ووصل الأمر إلي أنه صارت هناك أكوام تاريخية، جبال من القمامة بمناطق شعبية تؤرخ مآلات انهيار منظومة النظافة من عهد مبارك بحكوماتها المختلفة، وبمشاريعها الفاشلة بداية من الاستعانة بالشركات الأجنبية إلي الفصل من المنبع إلي مقامرة أكشاك القمامة.
المشهد التاريخي المروع والكارثي لم تكن تستحقه القاهرة التي سماها المستشرقون بالقرنين الثامن والتاسع عشر بمدينة "ألف ليلة وليلة" لفرط جمالها وسحرها وطيبة ناسها وغناها.. أحد معالم حسن القاهرة أنها متجددة، تغير من جلدها من فترة لأخري ومن حاكم لآخر، فيزداد حسنها وتضاف لمعالمها معالم جديدة، من الفسطاط للقطائع ارتفعت المآذن البديعة، ومع الامتداد للقاهرة في العصر الفاطمي بدأ اعلان الجمال، ومع ثراء المماليك البحرية والجراكسة انتشرت الوكالات والتكايا والأسبلة والمدارس واختلط العمران بقصص البطولة والمجد، فوفد عليها المستشرقون والرحالة من كل حدب وصوب لدراستها ومعرفة سر الجمال والغني والسحر وسموها في كل كتاباتهم بمدينة "ألف ليلة وليلة".
بعض من هذا المجد عاد ليحلي عنق القاهرة في المشهد البديع لنقل المومياوات الملكية لمتحف الحضارة.. وبعيدًا عن الكاميرات قبل وبعد هذه الاحتفالية العالمية التي امتعت العالم لعبت هيئة نظافة وتجميل القاهرة دورًا أساسيًا في إعادة النظافة للعاصمة، جيوش العمال والمهندسين الذين يتجاوزون 11 ألف شخص واصلوا الليل بالنهار، وأعلنوا الطوارئ علي طيلة اليوم لنشاهد ما شاهدناه من جمال.
المشهد التاريخي المذري الذي كان يشير إلي كهولة العاصمة ويرسخ الفوضي والقبح في كل شارع وحارة، بفضل سياسة الرئيس عبد الفتاح السيسي ومتابعة رئيس الحكومة الدكتور مصطفي مدبولي صار من الماضي، كانت تعليمات الرئيس واضحة في ملف النظافة أنه لا تهاون حتي تستعيد القاهرة تألقها، ولم يأل وزير التنمية المحلية اللواء محمود شعراوي ومحافظ القاهرة اللواء خالد عبد العال جهدًا لتنفيذ التعليمات ضمن مشروع تبنته الحكومة مع البرلمان من أجل منظومة جديدة للنظافة تعيد القاهرة إلي مجدها، علي أن من يستحق التحية والتكريم والإشادة اللواء إيهاب الشرشابي رئيس هيئة نظافة وتحميل القاهرة، الرجل خلال عام ونصف من تحمله المسئولية أعاد الروح لهذا المرفق الحيوي، لم يشكو أو يتحجج مثل رؤساء الهيئة السابقين أو يتحجج بضعف الموازنة والإمكانيات ليتهرب من المسئولية، وإنما خاض الأمر كأنه أمام مهمة وطنية، كأنه مقاتل يخوض معركة مصيرية، فوقف علي امكانيات الهيئة، ودرس بشكل علمي نقاط الضعف واستعان بجيش من المهندسين المحترفين كمستشارين، وأخذ يسطر معهم ملحمة في التفاني لفرملة القبح والقضاء علي القمامة دون كلل.
المشهد الجديد للقاهرة يدعو للفخر فالتراكامات التاريخية، تلال وجبال القمامة في مجري العيون والسيدة زينب ومختلف الأحياء الشعبية تم محوها بجيش جرار من العمال والمعدات، ومحور العروبة صلاح سالم من المطار نزولا للعباسية يشهد لوحة بديعة من النظافة والتجميل كأننا في شارع باريسي، والحدائق تستعيد بهاءها بالمقاييس العالمية من حديقة الطفل بمدينة نصر إلي حديقة غرناطة إلي حديقة سكة الوايلي الي حديقتي البازيليك والأهرام بمصر الجديدة نشاهد اعمال تطوير وتشجير ورفع كفاءة، نحن أمام 250 حديقة بالقاهرة نشاهد تجديد لرئة العاصمة، وللمرة الأولي تفعل هيئة النظافة دور المشاتل بادخال مهندسين جدد وإنتاج أحدث شتلات فى العالم، بدلا من شرائها من القطاع الخاص، وحاليا تنشأ الهيئة مصنعًا لإنتاج النجيلة فى المقطم، وهذا سيوفر الملايين للدولة.
أحياء القاهرة من الشرق الي الغرب من الجنوب الي الشمال تشهد طفرة في النظافة، معدات جديدة تكنس وتغسل وجمع سكني بمهارة واحترافية وخطوط ساخنة بين الهيئة والمواطنين للابلاغ عن الشكاوي وحلها فورًا.. كل هذا جديد ويضعنا أمام سر هذا النجاح.
كلمة السر هو العمل الدائم والاجتهاد والاستعانة بالعلم وأهل الخبرة والتعاون الوثيق بين أطراف منظومة النظافة في الحكومة، فالهيئة لديها 960 عربة وأكثر من 160 معدة ثقيلة، وكل هذه المعدات دخلت الخدمة بالاعتماد على ورش الهيئة فى تصليح وصيانة هذا الاسطول، الذى كان مهملا من قبل، كما أن الدولة خصصت 233 مليون جنيه لدعم المحطات الوسيطة بالقاهرة لنقل القمامة، عبارة عن معدات جديدة وتطوير وبناء منشآت، واستلمت الهيئة سيارات بحوالى 100 مليون جنيه، ويتم رفع الكفاءة بمبلغ 133 مليون جنيه، وتلك المعدات ستحدث نقلة نوعية فى منظومة النظافة بشكل كبير فى العاصمة، فضلًا عن هذا تم توقيع بروتوكول تعاون بين الهيئة العامة لنظافة وتجميل وإنارة القاهرة والهيئة العربية للتصنيع (مصنع الاليكترونيات) وإحدى الشركات المتخصصة فى الميكنة والتحول الرقمى للمرافق، وهذا البروتوكول يأتى فى اطار جهود الدولة فى التحول الرقمى، بهدف تحسين الأداء ورفع جودة الخدمة المقدمة للمواطن، من خلال ميكنة دورة العمل ودعم عملية صناعة القرار بناء على تحليل البيانات، ورفع كفاءة العمل وتحقيق الاستفادة القصوى من موارد هيئة النظافة، وهي تجربة مصرية خالصة تتم بأيد مصرية، لتكون نموذجا، ويتضمن البروتوكول ميكنة جميع إدارات هيئة النظافة، وإدخالها منظومة التحول الرقمى، لضمان السرعة والدقة فى تنفيذ المهام، ومراقبة جميع سيارات ومعدات الهيئة عن طريق الـ GPS، بالإضافة إلى ميكنة عملية نقل المخلفات الطبية، ورفع كفاءتها، حفاظًا على صحة المواطنين، مع تقديم الدعم الفنى والتدريب الكامل للعاملين على البرنامج الجديد للتحول الرقمى، وفقًا لأحدث المستويات والمتطلبات التكنولوجية لجميع المهام والتقسيمات الإدارية والوظيفية بالهيئة، وايضا عملية الميكنة والتحول الرقمى ستتم للهيئة بالكامل، وتشمل الجانب المالى والمحاسبي، كالحسابات العامة وحسابات العملاء وحسابات الموردين والأصول الثابتة وخطابات الضمان، وتخطيط الميزانية والمخازن والمبيعات والمشتريات، وشئون العاملين و مراقبة مسارات أسطول الهيئة وصيانة السيارات وإدارة ورش الإصلاح، وتلقى الشكاوى وخدمة المواطنين والتسجيل الإلكترونى للمقاولين بالهيئة، وتخطيط القدرة الإنتاجية، وأوامر الشغل وإدارة الجودة والصيانة .
القاهرة تستعيد شبابها وجمالها، لا نستطيع أن نقول أننا وصلنا لأفضل شئ لكننا نجحنا في القضاء علي قبح أكثر 30 عامًا وامامنا الفرصة لاستعادة رونق القاهرة التاريخية. فتحية لكل من شارك في هذه الملحمة.