من الألف إلي الياء
بعد العرض التاريخي المبدع لموكب نقل المومياوات الملكية من المتحف المصري بالتحرير إلي متحف الحضارة قبل عدة أشهر من جديد ، تبهر المحروسة العالم شرقا وغربا بمهرجان افتتاح طريق الكباش ، إحياء لمحور مواكب مدينة الشمس في الأقصر الجميلة والذي يربط بين متحفي الكرنك والأقصر بطول يزيد عن 2 كيلو م ، ويحتوي 1057 ثمثالا أثريا رمزا لحضارة عريقة تتحدي الزمن.
وكما كانت مواكب الشمس في الماضي تحتفي بإنتصارات الوطن وترصد مختلف صور الإنجازات والأفراح وحفلات الزفاف ،فرمزية إعادة تأهيل وتطوير هذا الطريق اليوم مع بدء إنطلاق الجمهورية الجديدة تعني الكثير والكثير لأحفاد الفراعنة في مسيرة التنمية والبناء لغرس الأمل وروح النماء الجديدة نحو غد أفضل.
وفي رحلة شيقة للماضي القديم تأخذنا الذكريات لعالم الفراعنة المثير ، فصناعة الحضارة لها أسرار لا يعلمها إلا من يمتلكون إرادة الحياة ومهارات زيارة المستقبل وإبداع الإستراتيجيات والخطط والسيناريوهات البديلة والقدرة علي التخطيط ووضع التصورات لعوالم مغايرة.
ولعل خلاصة هذه الحكمة هي من إلتقطها صناع حضارة اليوم ، وأمتلكوا بها زمام المقدمة والتفوق وحلم بها الفلاسفة بحثا عن حياة جديدة أكثر جودة وعدلا وإشراقا.
وقد برع المصريون الأوئل في تدشين أصول هذه الحقائق، التي أرست علم المصريات في كثير من كليات ومعاهد دول العالم الأول، ولذا كانت مصر مهد الحضارة الإنسانية، ولايزال كبار عالم اليوم ينحنون منبهرين بآثارها وببصمات شعبها وملوكها، التي علمت العالم شرقا وغربا أصول ومباديء الغرس الحضاري الأبدي.
إنه عالم غريب يزخر بالسحر والجمال والخيال وثورات العقل البشري ،وبراعة الإنسان في الأخذ بأسباب العلم والتعايش الإيجابي مع الطبيعة و الإشتباك مع هموم ومشكلات الحياة برغبة جارفة في التغيير والتحديث المستمر، والإنطلاق بعيون مبدعة نحو مستقبل جديد.
إنه عالم الفراعنة ، الذي سيظل لغزا محيرا ، ومصدرا لإلهام العلماء والباحثين في كافة أرجاء المعمورة.
ومن يعيد القراءة الفاحصة للتاريخ العريق للفراعنة وبدراسة متأنية، سيتوقف لا محالة في محطات عديدة للتأمل والتفكر ، وكما سبق المصريون القدماء في تدشين أسس علوم الحياة الطبيعية والتجريبية كالطب والفلك والكيمياء والتشييد والبناء، وكافة العلوم الحربية وفنون القتال ، برعوا أيضا في العلوم الإنسانية، كفكرة العمران وعلوم الإجتماع النفس وفلسفة التنبوء وبناء مخيلة السيناريوهات ، وأيضا في استشراف المستقبل والقدرة علي تخيل الحياة الأبدية، وعقيدة الخلود.
وفي العصور القديمة والوسطي والحديثة ظلت فلسفة الخيال وماوراء الحداثة ، ومحاولات التنبوء وزيارة المستقبل بهدف تحسين الواقع ، هي الشغل الشاغل لكبار عمالقة الفلسفة الغربية واليونانية كأفلاطون وأرسطو وهيرقليطس وفرويد وكانط وغيرهم، وربما استقت منابعها الأولي ورؤاها من فكر الفراعنة ، وهذا ما تحدثت عنه الإلياذه اليونانية لهوميرس ،والتي رصدت جانبا من أدبيات وأساطير وبطولات أسر الفراعنة، فاستحقت حضارتهم خلود الذكر ،رغم مرور آلاف السنين!
وكان الإبداع الحقيقي لفلسفة الفراعنة كيفية بناء فكر المخيلة والتخييل وخلق التصورات ، وتفجير قدرات العقل البشري لخلق أفكار كلية وجزئية تسهم في تغيير الواقع.
وبقدر ما أبدع الفكر الفرعوني في بناء وتدشين معالم الحضارة الذاتية،وتقديس ملوك الأسر الحاكمة ، إلا إنهم برعوا في إقامة صروح الحضارة الإنسانية الجمعية، بعيدا عن فكرة الميكافيلية، والنفعية الشخصية.
وتظل الحضارة المصرية القديمة رمزا ومنبعا للإلهام والإبداع الإنساني ، فاستحقت لقب "أم الدنيا"، حيث الريادة في البناء والتحضر واستشراف المستقبل و القدرة علي تصور الحياة القادمة ، والبحث عن عالم المثل والمدينة الفاضلة ،وبعيدا عن التقييم العقيدي لفكرة الخلود الدائم ،لكنها تظل نزوعا نحو السمو والأفضل والغد السعيد وكأنها الجنة..!!