لوجه الله
كلما تم الإعلان عن قضية فساد كلما ازدادت ثقة المواطنين فى مؤسسات الدولة خاصة تلك الأجهزة المعنية بمواجهة الفساد وفى مقدمتها هيئة الرقابة الإدارية التى كان لها الفضل الأكبر فى كشف العديد من قضايا الفساد التى تورط فيها بعض الموظفين الكبار.. فقد تأكد الآن أنه فلا فرق بين وزير وخفير.. فكل من تمتد يده الى المال العام أو يستغل منصبه فى جنى مكاسب مادية غير مشروعه يجب أن ينال عقابه ويجب أن يكون عبرة لمن يعتبر.
وجود قضايا فساد فى المجتمع المصرى أمر لا يعيبنا على الإطلاق، فالفاسدون قلة ولا يمثلون نسبة بين الموظفين المصريين الشرفاء الذين يكتفون بما يحصلون عليه بالحلال حتى ولو كان لا يفى باحتياجاتهم الأساسية، وهؤلاء الشرفاء الذين يقدرون حرمة المال العام يمثلون الغالبية العظمى من المصريين الكادحين الذين لا يقبلون الحرام بحكم تربيتهم وضمائرهم الحية، أو لخوفهم من العقاب الرادع الذى ينتظر كل فاسد مهما طال أمد فساده، ومهما تحايل للهروب من ملاحقة الأجهزة المعنية بمواجهة الفساد، وهى كثيرة وينبغى أن تكون محل ثقتنا وتقديرنا.
الصورة ليست قاتمة كما يتصورها البعض، فالأجهزة الرقابية تعمل ليل نهار ونحن نطالبها بالمزيد من الجهد لملاحقة كل فاسد صغيرا كان أم كبيرا حتى تتطهر مؤسسات الدولة من كل الفاسدين.. كما أن علينا جميعا مسئولية فى مواجهة الفساد.
****
كثيرا ما ينقل لى بعض القراء أو الأصدقاء صور فساد أو انحراف مالى أو إدارى ويرغب فى نشر هذه القصص فأنصحهم بأن واجبهم تقديم بلاغات بها للأجهزة الرقابية لو كان لديهم مستندات تؤكد هذا الفساد.. حيث لا يمكن توجيه تهمة فساد لأحد إلا إذا كان لدينا ما يثبت أنه فاسد بالفعل، فالتشكيك فى ذمم الناس دون وجود ما يثبت تورطهم يمثل جريمة يعاقب عليها القانون.. لذلك أنصح الجميع بعدم الانسياق وراء تهم فساد إلا إذا كان لديهم ما يثبت ذلك، وعندما توجد الأدلة فمكان الشكوى الطبيعى هو أجهزة مواجهة الفساد وليس وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعى.. هكذا علمنا ديننا وهكذا يلزمنا القانون المصرى.
مرة أخرى أؤكد أن وجود موظفين فاسدين فى مصر أمر لا يعيبها على الإطلاق، فالفساد موجود فى كل دول العالم، وقد كشفت منظمة الشفافية الدولية فى أحدث تقاريرها أن ثلث الرجال وربع النساء فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دفعوا رشى للحصول على الخدمات وقضاء مصالحهم، وأكدت منظمات دولية وإقليمية أن الرشوة تهدد الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى للعديد من البلاد العربية بعد أن ثبت أن قوانين العقوبات المطبقة فى بعض الدول غير رادعة فضلا عن عدم وجود إرادة سياسية فى بعض الدول للكشف عن الفساد وملاحقة الفاسدين، والحمد لله الوضع فى مصر مختلف، حيث تم الكشف عن عدد غير قليل من جرائم الفساد خلال السنوات الماضية وتأكد للجميع أن الدولة لا تحمى فسادا ولا انحرافا ولا تتستر على فساد أى مسئول فى أى موقع.
الغريب والعجيب أن هؤلاء الفاسدين لم يرتدعوا وسولت لهم أنفسهم الحصول على منافع مادية من وراء مواقعهم القيادية، ولذلك يستحقون ما يحدث لهم من عقاب رادع والعقاب الأكبر ينال أسرهم وأقاربهم فالفساد من التهم المخلة بالشرف ولا يستطيع مرتشى أو سارق للمال العام أن يبرر جريمته أو يحسن من صورته فى عيون الناس.
****
ما ينبغى أن نؤمن به أن مواجهة الفاسدين ليست مسئولية أجهزة الدولة الرقابية وحدها، بل مسئولية المجتمع كله، فكل من لديه أدلة على وجود فساد فى أى مؤسسة من مؤسسات الدولة فهو مطالب شرعا وقانونا بأن يبلغ به الأجهزة المسئولة عن مكافحة الفساد، وكل من يتخاذل فى ذلك فهو مسئول عن استمرار وجود فاسدين هنا وهناك.. فإذا كانت أجهزة الدولة تتحرك وتطارد الفاسدين من خلال تحرياتها وبوسائلها الخاصة فهذا لا يعفينا جميعا من المسئولية.
أيضا مؤسسات الدولة الدينية مسئولة عن مواجهة الفساد باظهار الموقف الشرعى من الفاسدين وما ينتظرهم من عقاب.. قل هذا الفساد أو كثر، فالتربية الدينية والأخلاقية هى الجدار الأول الحامى للمجتمع من الفساد.
يقول د.أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: الرشوة أحد أبرز أشكال أكل الأموال بالباطل، وهذه الجريمة موجودة عبر العصور ولا يخلو منها مجتمع نتيجة ضعف الضمير الدينى وسيطرة الطمع والجشع على هؤلاء الذين لعبت شياطين الإنس والجن بعقولهم.. وديننا يحرم ويجرم كل ما يدفع لصاحب منصب لكى يأخذ ما ليس له فيه حق، وما يدفعه الإنسان من أجل إنجاز عمله أو تأخير أمر في تأخيره مصلحة له، فهو من قبيل الرشوة المحرمة شرعا، فقد حرم الإسلام مصانعة الناس واشتراء ذممهم، يقول الحق سبحانه: "وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ" .
وهنا ينبه د. هاشم الى أنه لا يجوز أن دفع مال لرشوة موظف عام تحت ستار الحصول على حق ضائع، لأن تقديم الرشوة للموظف سلوك مجرم شرعا، وأخذ الرشوة وإيصالها من الراشي للمرتشي- كما يفعل الوسيط- من كبائر الذنوب؛ والحديث النبوى الصحيح الذى يلعن رسولنا الكريم فيه الراشى والمرتشى والوسيط بينهما وهو الرائش مشهور ويحفظه الجميع، واللعن يعنى الطرد من رحمة الله.
كما حرم الإسلام ما يدفع للموظف العام في صورة هدية، لأنها في الحقيقة رشوة مقنعة، وديننا حرم الرشوة في أي شكل كانت، وبأي صورة من الصور المقنعة، وأرسى قاعدة لمن استعمل على أي عمل من الأعمال وأعطي راتبا على ما يقوم به، فما أخذه بعد ذلك فهو خيانة وضرب من الرشوة.. قال صلى الله عليه وسلم: "من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول"، فالإسلام بتعاليمه وعقوباته يحمى المال العام ويصون حقوق الناس ويحافظ على أموالهم، ويحرم كل ما فيه أكل لأموال الناس بالباطل، ولذلك فهو يحرم الرشوة ويحرم الغش ويحرم تطفيف الكيل والميزان، ويحرم السرقة والغصب، ويحرم الاحتكار والتلاعب بالأسعار والاستغلال، وغير ذلك مما هو حرام أو فيه شبهة حتى تستقر المعاملات وتنتظم، ويحيا الناس آمنين على أموالهم وحقوقهم.