التطوير منظومة متكاملة الأركان والأسس، ولها أبعاد وأهداف إستراتيجية محددة ، تعتمد علي التخطيط العلمي السليم، والدراسات المتكاملة والمستفيضة،فالمقدمات الصحيحة تقودنا لمخرجات ونتائج منطقية تسهم في تحقيق الأهداف والمبتغيات.
ويحمل ملف التعليم في مصر هموما ،ربما تنأي عن حملها الجبال، مابين التطلعات في تدارك أخطاء الماضي ،وتجاوز تراكمات السنين وطموحات التطوير وتصحيح المسار، وإستيعاب هموم ومشكلات مايزيد عن 24 مليون طالب وطالبة بمرحلة التعليم قبل الجامعي !
ورغم ما بذلته الدولة من جهود ملموسة وحثيثة لإحتواء أوجاع ملف التعليم وتحديث المنظومة التعليمية، فلاتزال قضية التطوير تتطلب المزيد من البحث والدراسة والتقويم الشامل والمستمر والإستفادة من التجارب السابقة سواء علي المستوي المحلي بالمدارس الدولية واليابانية وبعض برامج التعليم الخاص أو لدي الدول التي انتهجت خطط التطوير وتحديث المناهج وفقا للإتجاهات الأممية العصرية.
هذا علاوة علي ضرورة مراعاة الأبعاد النفسية والإجتماعية والظروف المستجدة، ضمانا لنجاح فكرة التحديث الفعلي للعملية التعليمية ، وتجنبا للآثار السلبية للتطوير العشوائي ولأوجه النقص والقصور،ولبعض المعوقات أثناء تطبيق التجربة بكافة عناصرها، فربما تسهم هذه التعثرات في تشويه ما تحقق من إنجازات.
ولاحديث هذا العام إلا عن مشكلات التكدس وعجز المعلمين ومنهج رابعة إبتدائي الذي أقرته الوزارة ، دون إدراك لأبعاد وظروف العملية التعليمية التي عادت للإنتظام بعد عامين من الدراسة المتقطعة ، ومن خلال شبكة الإنترنت في محاولة لمحاصرة تفشي عدوي كورونا المتحورة.
وقد وصلني كما وصل معظم الزملاء الإعلاميين عدة رسائل عن طريق الإميل وشبكات التواصل من أهالي وأولياء أمور تلاميذ الصف الرابع الإبتدائي يشتكون مر الشكوي من كثرة عدد المواد التعليمية، وفقا لإستراتيجية التطوير التي انتهجتها الوزارة ،وتغيير نمط التعلم من التلقين والحفظ إلي الفهم وتنمية مهارات التفكير النقدي والإبتكاري.
كما يؤكدون ضخامة حجم المادة العلمية ،وما تحويه من إستراتيجيات ومفاهيم فوق الطاقة الذهنية والإستيعابية لهذه المرحلة السنية.
والتساؤلات التي طرحت نفسها بقوة .. كيف اعتمد هذا المنهج بهذه الصورة ؟!،وأين مستشاري الوزارة؟! وأين أساتذة وخبراء تطوير المناهج بمختلف الجامعات المصرية ، من هذا التطوير العشوائي؟!
ولماذ الإصرار علي حشو الأذهان والتكدس المعلوماتي الذي يتنافي تماما مع أنماط التعلم وإستراتيجيات التدريس الحديثة وفكرة توظيف المعلومات ؟!
وغني عن القول أن هدف إستراتيجيات التعلم الحديثة ، خلق أجواء من المودة والتفاؤل داخل البيئة التعليمية وبين مختلف عناصرها، وإزالة كافة الحواجز النفسية وأسباب الضجر والضيق والملل التي صنعها التعليم بأنماطه التقليديه وإرتباطه بالنجاح والرسوب ،دون السعي لإكتشاف القدرات الخاصة والمهارات المتنوعة وأسس ومباديء تحليل المعلومات والتفكير الإبداعي والناقد،وفقا لنظريات الذكاءات المتعددة ، وصناعة أجيال مبتكرة ومبدعة.
كما تحوي صرخات أولياء الأمور علامات استفهام أخري كثيرة ، منها.. لماذا تم اختيار الصف الرابع تحديدا ولماذا لم يتم توزيع هذا الكم الهائل علي الصفوف الأخيرة من المرحلة الإبتدائية ؟!
وهل تم تدريب المعلمين بصورة كافية علي متطلبات المنهج الجديد ، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، وما هو الحافز المادي الذي يضمن الإهتمام بفكرة التطوير؟!
وأين وقت الأنشطة الطلابية استكمالا لفكرة التطوير؟!
وبعض الأهالي يؤكدون أنهم اضطروا للعودة من جديد للدروس الخصوصية ،علاوة علي المشكلات النفسية والإجتماعية والصدمات التي سببها المنهج الجديد، علاوة علي تحفظات المواطنين وتوجساتهم من مبدأ التطوير وعثراته بصفة عامة.
وأتصور أنه كان من الأجدر تجربته علي المدارس القومية والتجريبية وبعض المدارس الخاصة ،ورصد الإيجابيات وأوجه القصور والسلبيات قبل تعميم التجربة، علاوة علي إجراء دراسات للتقويم الشامل للمنهج قبلي وبعدي وأثناء تنفيذه،وفقا للمفاهيم العلمية المتبعة في هذا الشأن.
و أيضا دعم الفكرة عن طريق الإعلام والقنوات التعليمية المتخصصة ، وشرح أساليب ونظم الإمتحانات والتقويم التربوي الجديدة ، بطريقة مبسطىة علاوة علي التهيئة المجتمعية اللازمة.
واعتقد أن المقترحات في هذا الشأن عديدة وربما تسهم في الخروج من هذا المأزق المظلم، ووفقا للآليات الإدارية للوزارة أتصور أن الحل العملي لتدارك آثار هذه المشكلة إصدار قرار عاجل بحذف أبواب من مقررات هذه الكتب والتي كلفت الوزارة الملايين في إعدادها وطباعتها، أوتقسيم هذا المنهج علي "ترمي" العام الدراسي ،والإستفادة من هذه التجربة في السنوات المقبلة عند التطبيق في صفوف أخري.
ومابين مركزية القرارات والسياسات والتعجل في اتخاذ التعليمات تظل تحديات تطوير التعليم تتطلب حلولا عملية فإن "المنبتة لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقي"، فالذي أصر علي إدراك الهدف متسرعا دون حكمة، تسبب في موت فرسه ولم يبلغ مراده!!
ومن ثم لابد التطوير التدريجي والحوار المجتمعي الشامل قبل أن تتخذ القرارات طريقها لدنيا الواقع ، إضافة لتفهم المشكلات النوعية لدي مختلف مديريات التربية والتعليم بالمحافظات..ولكنها خطوة للأمام في إنتظار تصحيح المسار.