لوجه الله:
من المؤسف أن ظاهرة الدجل والشعوذة لا تزال تفرض نفسها على واقعنا الإجتماعى والدينى، وتتضمن قصصا وحكايات صادمة ومؤلمة، وهى لا تصدم مشاعر الكثيرين فقط، بل يمثل بعضها جرائم أخلاقية يعاقب عليها القانون، فضلا عن رفض ديننا العظيم وإدانته لكل صورها، فقد منحنا الله العقل والحكمة لنفكر ونعقل ونحل مشكلاتنا بالعلم والمنطق وليس بالتعامل مع الدجالين وباعة الأوهام.
ملف الدجل والشعوذة زاخر بكل ما لذ وطاب من الانحرافات الأخلاقية والاتجار بالدين، وقد أزعجنى اعتراف سيدة عبر مواقع التواصل الاجتماعى بمعاشرة دجال لها وحملها منه دون أن تدرى، ومطاردته لها فى كل مكان ووقوع ضحايا أخريات فى شراكه وأنه لا يزال حرا طليقا يمارس جرائمه هو وبعض أفراد أسرته تحت ستار العلاج بالقرآن، كما يؤسفنى أن يعتقد داعية أن الجن سرق أمواله ويعلن ذلك على الناس من خلال بعض وسائل الاعلام.
والأمر لا يقتصر- للأسف- على الخرافات والمعتقدات الباطلة التى يروج لها الدجالون.. لكن هناك آلاف من المرضى تركوا الأطباء وذهبوا للدجالين بحثا عن علاج لأمراضهم الخطيرة، فتدهورت أحوالهم الصحية، وغادروا الحياة بسبب ما فعله بهم باعة الأوهام دون تقدير لعواقب ما يفعلون، وقدعايشت بألم وحسرة قصة صديق عزيز كان يعانى من مرض خطير، ورفض الذهاب للأطباء المتخصصين فى مرضه ووثق فى أحد الدجالين الذين يدعون العلاج بالقرآن، ولم تمض أسابيع قليلة على تعامله مع هذا الدجال حتى توفاه الله.
الغريب والعجيب أن أدعياء العلاج بالقرآن وفك السحر لا يمارسون جرائمهم بعيدا عن الناس، بل يفعلون ذلك علنا وبكل بجاحة، ودشن بعضهم صفحات عبر مواقع التواصل الاجتماعى للترويج لمزاعمهم الكاذبة، وبضاعتهم الفاسدة، وبعضهم يظهر فى فضائيات ويروج لخرافاته بين ملايين المشاهدين دون أن تصل إليه يد الردع والعقاب.
**
المؤسف أن التردد على الدجالين والمشعوذين، والثقة فى قدراتهم على حل المشكلات وإنهاء الأزمات ثقافة سائدة بين نسبة لا يستهان بها من المواطنين، منهم أميون بسطاء، ومنهم متعلمون تم التغرير بعقولهم، وانساقوا خلف الخرافات وارتكبت ضدهم جرائم أخلاقية، وهذا فى الواقع أمر مؤسف ومحزن، ويجب أن يواجه بكل حسم ليس من الأجهزة المسئولة فحسب، بل ينبغى أن تكون هناك مواجهة جادة من جانب وسائل التوجية الدينى المتمثلة فى الدعاة وخطباء المساجد.. كما أن هناك مواجهة مطلوبة من وسائل الإعلام بكل أشكالها؛ حيث يجب أن تتبنى حملات ضد الدجل والشعوذة.. وننتظر من مؤسسات مراقبة أداء وسائل الاعلام أن تفرض عقوبات رادعة على الفضائيات التى تتبنى قصص الدجل والشعوذة، وتستضيف بعض المحترفين فى هذه الخرافات لنشر خرافاتهم ومزاعمهم الكاذبة على قطاع كبير من المشاهدين من خلال تلك الأدوات والوسائل الاعلامية.
استمرار هذه الخرافات أمر يسيىء لنا جميعا، فنحن أتباع دين يؤمن بالعلم، ويرفض الخرافة بكل أشكالها وصورها، كما أن هذه الخرافات وأنماط الدجل والشعوذة تقف فى طريق تقدم مجتمعاتنا، وتعوق تطوير أنماط تفكير الإنسان.. وهى مشكلة ينتج عنها خسائر وتداعيات كثيرة على واقعنا الإجتماعى والفكرى والثقافى، فهى تؤدى الى إفساد عقول بحشوها بمعتقدات ضد الدين والعقل والمنطق، كما أنها تتسبب فى مفاسد وانحرافات أخلاقية، وقصص هذه الجرائم كثيرة ومحرر ببعضها محاضر رسمية.
لذلك فنحن فى حاجة ماسة لمواجهة دينية واعلامية ومجتمعية لهذه الخرافات حيث يصعب مواجهتها والقضاء عليها من جانب أجهزة الأمن وحدها، بل تحتاج الى مواجهة مجتمعية شاملة.
**
دينيا.. الموقف الشرعى واضح حيث أكد العلماء أنه لا يجوز لإنسان أن يثق فى بضاعة محترفى الدجل والشعوذة، وقد أفتى العلماء بأن من يثق فى الدجالين ويلجأ إليهم آثم شرعا، فديننا يأمرنا أن نلجأ الى خالقنا سبحانه وتعالى فى كل أمورنا، ولا نطلب العون والدعم من أحد سواه، وهنا علينا أن نتأمل وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لإبن عباس:" إحفظ الله يحفظك، إحفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله..." فهذه الوصية تعنى أنه لا يجوز اللجوء لغير الله عز وجل، وهى وصية تبعث الثقة في النفس، فالإنسان الذي يحفظ الله، ويؤدي ما عليه من واجبات دينية ودنيوية ليس في حاجة إلى أحد لكي يعينه على حل مشكلاته والخروج من أزماته، لأنه يعرف طريقه جيدا، ولا يلجأ الى هؤلاء الذين أفسدوا العقول، وخربوا النفوس، وأشاعوا الوهم بين الناس.
ديننا يحترم عقل الإنسان وإرادته الحرة، ومن الأمور التي يقررها العقل السليم أنه لا ينبغي أن يلجأ الإنسان إلى طلب العون إلا ممن يملك بالفعل تقديم هذا العون، أما أن يلجأ الإنسان إلى من لا يستطيع أن يعين نفسه، فهذا عبث مرفوض وخروج على تعاليم الدين.. ولذلك ينصح العلماء هؤلاء الذين يثقون فى الدجالين وبضاعتهم الفاسدة أن يراجعوا أنفسهم، ويكفوا عن ذلك، حرصا على سلامة عقيدتهم، واحتراما وتقديرا لتعاليم دينهم، وحرصا أيضا على صورتهم بين الناس.
**
سألت العالم الأزهرى د.نصر فريد واصل مفتى الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء عن علاج الأمراض بالقرآن.. فقال: القرآن كتاب هداية وليس كتاب علاج للأمراض، وقول الحق عز وجل: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" يفهمه البعض فهما خاطئا ويتخذه وسيلة للتكسب بالقرآن، فمقصود هذه الآية الكريمة أن القرآن نور وضياء للعالمين.. كتاب إلهى خالد يهدي الناس إلى صراط الله المستقيم، هو دستور حياتهم، ويجب عليهم العمل بأوامره واجتناب نواهيه.. لا أن يتخذوه وسيلة للعلاج وأحجبة وتمائم.
فالأمراض العضوية تعالج عند الأطباء وبالأدوية الفعالة التي قدرها الله على أيدي خبراء الأدوية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يوجهنا إلى ذلك ويقول:" تداووا عباد الله فإن الله لم يخلق داء إلا وخلق له دواء".