رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله:

للأسف الشديد.. لم تحظ قضية طبية وإنسانية بجدل وخلاف دينى فى مصر كما حظيت قضية نقل وزراعة الأعضاء البشرية، فالفتاوى المتضاربة حولها لم تتوقف على مدى ربع قرن مضى رغم حسم هذا الأمر فقهيا فى مجتمعات إسلامية عديدة والقول بإباحة التبرع من الأحياء والأموات بشروط وضوابط دينية فى مجتمعات إسلامية عرفت بتشدد علمائها وتحوطهم فى الفتوى أكثر من علماء مصر التى تمتلك الأزهر.. المؤسسة الإسلامية الأكبر فى العالم والأكثر وسطية واعتدالا.
يجب أن يحترم علماء الأزهر الذين يطلون علينا فى الفضائيات الفتاوى المؤسسية التى صدرت عن مجمع البحوث الإسلامية ودار الافتاء حول نقل الأعضاء فهما المؤسستان المعنيتان بحسم هذه الأمور الشرعية، وما دامت صدرت فتاوى عنهما فى أمر مهم مثل نقل وزراعة الأعضاء فعليهم جميعا احترام هذه الفتاوى والوقوف عندها، فالأمر هنا لا علاقة له بحرية الفتوى وليس من قبيل الشجاعة الفقهية إفتاء أحد المنتسبين للأزهر بقول يخالف ما استقر عليه الأمر فى مجمع البحوث أو دار الافتاء، ولا مجال هنا لاستعراض العضلات الفقهية والقول بحرمة أمر أباحه العلماء فى قضية مصيرية كهذا، والاجتهاد الجماعى يجب الاجتهاد الفردى فى مثل هذه الأمور.
منذ ساعات طل علينا عالمان من علماء الأزهر من خلال إحدى الفضائيات وقالا بحرمة نقل الأعضاء من الأحياء والأموات فى وقت يستعد فيه البرلمان لمناقشة هذا الأمر وتقنين زراعة الأعضاء وفق ضوابط شرعية حددها الأزهر والافتاء، ولا أدرى لمصلحة من هذا التشويش فى هذا الوقت بالذات؟ ولا أدرى أيضا لماذا تبحث الفضائيات المصرية عن علماء لهم آراء متشددة أو متحفظة لتخلق جدلا وتخوفا مجتمعيا فى أمر حسمه العلماء فى المؤسسات الرسمية؟.. فهل بعض الفضائيات لا تزال تبحث عن الأثارة وجذب المشاهدين على حساب قضايا حيوية مثل قضية نقل وزراعة الأعضاء؟!
****
تعلمنا فى الأزهر أن الشريعة الإسلامية لا يمكن أن تقف فى طريق مصلحة حقيقية للإنسان، وأن الأحكام الشرعية تستهدف مصلحة الإنسان دائما.. ولذلك فإن هذه الشريعة الإسلامية التى يؤكد فقهاء الأمة الثقات أنها صالحة لكل زمان ومكان تفتح باب الأمل فى الحياة لهؤلاء المرضى الذين أنهكهم المرض، وتضاعفت معاناتهم، وأنفقوا كل مدخراتهم على العلاج دون جدوى.. ولذلك يؤكد العلماء أن نقل الأعضاء البشرية بضوابطه الشرعية لم يعد في حكم المباح، بل أصبح "ضرورة شرعية وعصرية" لإنقاذ حياة عشرات الآلاف من المرضى الذين فشل الطب في علاج أعضائهم التالفة وأصبح الأمل الوحيد في علاجهم يتمثل فى نقل أعضاء بشرية لهم سواء من أحياء أو موتى.. والتبرع بالأعضاء فى ميزان الشرع كما قال علماء كثيرون من فضائل الأعمال، بل هو كما وصفه بعض العلماء "أفضل صدقة جارية".
والتبرع بالأعضاء من الأحياء إلى الأحياء أو من الموتى إلى الأحياء لا يتنافى إطلاقا مع تكريم الإسلام للإنسان حيا أو ميتا حيث راعت الضوابط الشرعية حرمة جسد الإنسان حيا كان أو ميتا، وإباحة نقل الأعضاء على سبيل التبرع أمر يؤكد حرص شريعتنا الغراء على تكريم الإنسان وتخفيف معاناته وبث الأمل فى الحياة داخل كل مريض تلف أحد أعضائه.
ما ينبغى أن يؤكد عليه العلماء أن الحكم الشرعى فى نقل الأعضاء يرتبط بمدى التزام الأطباء بالضواط الشرعية ووجود تشريعات تحمي الإنسان من العبث، وتحمي جسد الإنسان حيا وميتا من الذين يحولونه إلى تجارة.. وهنا ينبغى تغليظ العقوبة على الذين يتخذون من معاناة المرضى فرصة للربح المادي ويحولون هذه القضية الإنسانية إلى تجارة قبيحة.
****
عقب قول الداعية الراحل الشيخ محمد متولى الشعراوى- رحمه الله- بعدم جواز التبرع بالأعضاء البشرية التقيته فى حوار مطول وسألته عن حيثيات هذا الموقف الذى يراه البعض متشددا ومخالفا لما استقر عليه الرأى داخل مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ومعظم أعضائه من أساتذة الشريعة الإسلامية.
فقال رحمه الله: هذا اجتهادى وقد أكون مصيبا وقد أكون مخطئا وأنا لا أفرض رأيى على أحد، ولو رأيى تعارض مع رأى استقر عليه العلماء فى مجمع البحوث الإسلامية فأنا أقول للناس خذوا برأى مجمع البحوث الإسلامية.
لذلك أناشد علماءنا الأفاضل الذين تعلمنا منهم أن أهم ما يميز شريعتنا الإسلامية أنها تقوم على اليسر والسماحة، وترفض كل صور التشدد فى الدين، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذى رفع شعار التيسير فى الفتوى والتبشير فى الدعوة فقال:"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تفروا".. أن يطبقوا ما وجهنا إليه رسولنا العظيم ويأخذون فى فتاويهم بالأيسر، فهذا هو منهج الإسلام فى كل عصر، وفى كل مكان، كما تعلمناه منهم، وما دامت شريعتنا الإسلامية قادرة على تلبية كل أحداث الحياة المتجددة، وتلبية حاجات الناس، وجاءت معظم أحكامها متغيرة وفقا لما تقتضيه مصلحة الإنسان.. فلا ينبغى أن يتبنى أحد المنتسبين للأزهر موقفا متشددا فى أية قضية من القضايا التى تتعلق بحياة الناس وتستهدف تحقيق مصلحة معتبرة فى الشرع.
يقول د. شوقى علام مفتى الجمهورية: الشريعة الإسلامية فى كل أحكامها لا تعرف التشدد، بل تتجه نحو التيسير والتخفيف، والله سبحانه وتعالى لم يفرض علينا ما يعسر حياتنا، ويصرفنا عن الاستمتاع بالحياة أو يشكل عبئا بدنيا أو نفسيا علينا، والنص القرآنى هنا واضح وحاسم حيث يقول الحق سبحانه:" وما جعل عليكم فى الدين من حرج" ولذلك فإن كل ما يعسر علينا الحياة، ويسبب لنا عنتا وحرجا غير مطلوب شرعا.. وهذه الحقيقة ينبغى أن يدركها كل الناس، وخاصة من يتصدون لبيان أحكام الشرع حتى لا يجنحوا نحو التطرف والتشدد، حتى ولو كان الأمر بحسن نية، فالتشدد فى أمور الدين لن يقربنا من خالقنا أكثر، ولن يضاعف لنا الأجر والثواب كما يظن ويتوهم بعض الذين يجنحون نحو التشدد والتطرف.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة