رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لحظة تمرد :

لم تكن الصيحه التي اطلقها مارك زوكربرج مؤسس فيس بوك «الميتافيرس» هي الأولى من نوعها ، فقد شاهدناها كثيرا في أفلام ثلاثية الأبعاد 3D و العاب ال VR وال X بوكس و الكثير من الألعاب المجسمة التي نستخدم فيها النظارات المجسمة.

لكن الجديد هنا ان الامر لم يعد مجرد لعبة او فيلم نذهب له ولكنه سيكون اقرب الى نمط حياة يروج له صاحب الفيس بوك لينقلنا جميعا الى مرحلة الحياة الافتراضية بالكامل، وليس بعض الوقت للعب والترفيه كما كان الامر ..هو عالم افتراضى جديد يمزج بين بعض الواقع المادى المحسوس الذى نعيشه والعالم الافتراضى غير المادى وغير المحسوس على الانترنت..

و الان اذا كنا في مجتمعنا نعانى اشد المعاناة بعد ان اصبح الموبايل والكومبيوتر بالاستخدام السىء له شيطان يخرب البيوت ويضيع مستقبل أولادنا .. فماذا سيكون الحال بالميتافيرس الجديد ؟

وأول من استخدم هذا المصطلح الكاتب الأمريكي نيل ستيفنسون المتخصص في روايات الخيال العلمى في رواية "Snow Crash" تحطم الثلج ،المنشورة عام 1992 .. ومصطلح «الميتافيرس» Metaverse. مكون من مقطعين: الأول Meta وهو الاسم الجديد الذى تغيرت إليه فيس بوك، ويعنى «ما وراء»، والمقطع الثانى Verse الذى يأتى اختصارا لكلمة Universe بمعنى «العالم»، والكلمتان معا تأتيان بمعنى «العالم الماورائى»أو ما وراء العالم ، وقد قصد به « ستيفنسون» فى روايته ذلك العالم الافتراضى المملوك من قِبل الشركات التى تمارس ابشع ديكتاتوريه على المواطنين و أطلق عليها «ديكتاتورية الشركات».

وحتى نقترب من تفاصيل التطبيق يشرح الكاتب إيهاب خليفه بقوله "من خلال استخدام نظارات الواقع الافتراضى والواقع المُعزز وارتداء السترات والقفازات المُزودة بأجهزة استشعار، يستطيع المُستخدم أن يعيش تجربة شبه حقيقية، تعمل فيها هذه التقنيات الذكية كوسيط بين المُستخدمين فى عالم «الميتافيرس»، لإيصال الشعور بالإحساس المادى، فيستطيع أن يرى المُستخدم الأشياء من حوله بصورة ثلاثية الأبعاد عبر النظارة، كما يمكن أن يشعر فيها بالمؤثرات الجسدية الحسية، كإحساس السقوط فى المياه أو اللكمة فى الوجه أو غيرها، من خلال المستشعرات الموجودة فى السترات والقفزات التى يرتديها، فيحصل على تجربة أشبه بالواقعية حتى وإن كانت غير مباشرة."

يعنى باختصار «الميتافيرس» عباره عن عالم اختيارى يُبنى وفق رغبات مُستخدميه، فيستطيع الأفراد إنشاء عالمهم الخاص بهم، وقد قسمها صاحب الفيس بوك حتى الآن إلى 3 عوالم وهى «عالم المنزل ، و«عالم العمل و«آفاق العالم ».

وداخل «عالم المنزل»، يستطيع الشخص إنشاء نسخة افتراضية تطابق منزله الأصلى، ويستطيع التجول فيها بمجرد ارتداء نظارة الواقع الافتراضى، ومن ثم يستطيع أن يدعو زملاءه عبر «الميتافيرس» إلى قضاء وقت معا داخل المنزل، أو مشاهدة مباراة كرم قدم، أو حتى استذكار الدروس والمراجعة.

وبالمثل يستطيع الزملاء فى العمل إنشاء فضائهم الخاص بهم داخل «الميتافيرس»، فيمكنهم الذهاب إلى العمل فقط من خلال ارتداء نظارة الواقع الافتراضى، وإنجاز المهام المطلوبة والمشاركة فى الاجتماعات بل وأخذ راحة منتصف اليوم مع أصدقاء العمل، كل ذلك من دون حتى مغادرة المنزل.

كما يستطيع المُستخدمون إنشاء عوالم أخرى خاصة بهم، مثل حضور الحفلات الموسيقية، أو مشاهدة أحد الأفلام السينمائية، أو ممارسة الرياضة المفضلة، وذلك من دون مغادرة المنزل؛ فتوفر لهم تجربة فريدة يشاركون فيها بعضهم لحظات جماعية دون اعتراف بحدود مكانية أو جغرافية.

ليس هذا فحسب، بل يمكن التسوق أيضا داخل «الميتافيرس»، واختيار السلع الغذائية من داخل السوبر ماركت ودفع ثمنها عبر بطاقة الائتمان فى تجربة ثلاثية الأبعاد، وكأن المستخدم داخل أحد المتاجر بالفعل، كما يمكن قياس الملابس والتأكد من ملاءمتها للمُستخدم، عبر تصميم «أفاتار» بنفس مقاييس المُستخدم ومحاكاة تجربة ارتداء الملابس عليه.

وتتعدى تجربة عالم «الميتافيرس» فى التعليم لتكون أكثر ثراء، فتوفر مثلا للطلاب المعنيين بدراسة الفضاء أو المحيطات أو الجيولوجيا أو التاريخ، فرصة لمحاكاة هذه العوالم فى صورة ثلاثية الأبعاد، وبالتالى يمكنهم الذهاب إلى القمر أو أحد الكواكب الشمسية أو حتى الشمس نفسها، وأيضا يمكنهم الذهاب إلى أعماق المحيطات أو باطن الأرض، أو حتى العودة إلى أحد الأزمنة التاريخية ومحاكاة طرق العيش فيها. ومع دخول نظم الذكاء الاصطناعى فى برمجة شخصيات هذه العوامل، يمكن للمُستخدم أن يعيش تجربة شبه حقيقية بالفعل.

يعنى عالم جديد لا مكان فيه للعلاقات الإنسانية المباشرة .. نعم قد يكون مفيدا فى بعض الجوانب الترفيهية والتعليمية، مثل ألعاب الفيديو أو مشاهدة الأفلام أو الاستمتاع بقضاء وقت فراغ، بخلاف أهميته فى عملية التعليم سواء داخل المؤسسات التعليمية أو عن بُعد. فهو ضرورى فى كلتا الحالتين، لكن الخوف كل الخوف من اتساع نماذج استخدام «الميتافيرس» ليطغى على جميع جوانب الحياة الإنسانية.او استخدامه في الاعمال المشبوهة والإرهاب.

واذا كان بإمكان المُستخدم إنشاء عالمه الخاص داخل «الميتافيرس»، وهو عالم خال من المشكلات أو الهموم، وعالم يحقق فيه طموحاته الشخصية، ويبنى فيه منزله ومدينته المثالية، ويتعرف فيه على أصدقاء مشابهين له، ويستبعد منه من لا يروق له؛ فهو بذلك يبتعد كل البعد عن العمل وعمران الأرض وبناء الحياة الإنسانية...فقد تتحول حياة المُستخدم الحقيقية شيئا فشيئا إلى كابوس من دون أن يدرى، فلا يهتم بشكل منزله الحقيقى، ولا بشكل مدينته الحقيقة، ولا يسعى إلى العمل وتنميه بلده ، ويكتفى ببناء جنة خيالية فى عالم افتراضى، يعيش فيها طيلة اليوم ولا يتركها إلا عند النوم، فلا هو يعيش حياته الحقيقية ليلا ولا نهارا، ولا يعلم شيئا عن واقعه، فكل ما يهمه حينها هو العالم الافتراضى الذى بناه وحقق فيه أحلامه التى اكتفى ببنائها فى عالم «الميتافيرس».

تذكرت تطبيق عمله الفيس بوك من قبل اسمه المزرعه الحديثة وانشغل الكثيرون منا ببناء البيت الوهمى وزراعة الأرض وشراء الحيوانات وحلب الالبان الخ .. كل ده في عالم الفيس بوك ونحن لا نملك ثمن كوب لبن في الوقع

والسؤال هل سنجد بهذا التطبيق الاليكترونى لدينا وقتا للعمل او للتواصل الانسانى والحياتى ام سنغادر حياتنا وواقعنا الى هذا العالم الافتراضى ...يعنى لا مذاكرة ولا عمل ولا حياه حقيقية .

طبعا ليس العيب في التقدم لكننا في العالم الثالث مازلنا نستورد التكنولوجيا ولا نخترعها او نصنعها ثم نستخدم أسوء ما في التكنولوجيا مثلما نستخدم السكين للقتل بدلا من تقطيع الخضروات والطاقة النووية للتدمير بدلا من توليد الكهرباء والطب والزراعة

نعم قد يروق هذا الوضع للبعض، الذين اصطدموا بمشاكل الحياة، واكتأبوا منها، وقرروا الانتحار، فيكون عالم «الميتافيرس» ملجأ لهم من الواقع وبديلا جيدا للانتحار. لكن كيف سيكتمل العمران البشرى حينما يغيب الناس عن مواجهة حقيقتهم ومصيرهم، وأن يسعوا بجد إلى تغيير وضعهم إلى الأفضل دائما، وألا يستسلموا بالذهاب إلى عام افتراضى يسهل تحقيق الإنجاز فيه. فمن سيقوم بمهمة تربية الأجيال القادمة حينما تنشغل الأمهات عن اولادهن ، وكيف يتحقق العمران الذى يتطلب التدافع البشرى وتعمير الأرض، وليس تعمير مساحات افتراضية غير واقعية؟

والسؤال ما هو شكل العلاقات بين الأزواج والعلاقة بين الأبناء والاباء والعلاقة بين الأصدقاء .. والمهم هل سنتقدم في الواقع ام سيكفينا التقدم الوهمى في عالم الميتا فرس..

الا يشبه هذا التطبيق ماتفعله المخدرات والادمان التي تجعل مدمنها يعيش في واقع وهمى يحلق فيه من السعاده بينما يعانى في الواقع من كل شيء !!

والسؤال هل المقصود بهذا التطبيق الجديد الهاء الشعوب المتخلفة عن العمل والتقدم حتى يتفرغ الغرب للعمل وفرض الهيمنة علينا ونحن نقضى وقتنا داخل المزارع السعيده الوهمية !!

الا يمكن ان نتدبر الامر ونستفيد من التطبيق في التغلب على زحمة الفصول مع الشرح والتفاعل مع مدرسين جيدين وان نتغلب على إضاعة الوقت في الزحام والمواصلات لعمل الاجتماعات ونترك الطريق خاليا لمن يريد الذهاب الى مصنعه ومنشأته .. نعم للتكنولوجيا وجوه متعدده وعلى الانسان الواعى اختيار ما يفيده وليس ما يضيع وقته ويهدر ادميته وانسانيته الا اذا كنا جميعا قد قررنا الانتحار وكان الميتا فيرس هو العلاج المهدئ ، ولكن الا نعرف ان الإدمان والانسحاب من الحياة سيكون من الاثار الجانبية لهذا الدواء فهل ندرك ابعاد هذا المخطط ونستغله فيما يفيدنا نحن وليس ما يفيدهم هم وقبل فوات الأوان ؟!

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة