لوجه الله:
ننشغل جميعا بمواجهة العنف ضد المرأة، ويتبارى علماء الدين وخبراء العلاقات الزوجية ورجال القانون فى المطالبة بتغليظ عقوبة من يضرب زوجته ويلحق الأذى البدنى والنفسى بها، وقد رحب البعض بتقديم نائبة برلمانية منذ شهور لمشروع قانون يعاقب الرجل الذى يضرب زوجته ويلحق الأذى بها بالحبس لمدة تتراوح ما بين ثلاث وخمس سنوات، وفى العديد من البلاد العربية مطالب مماثلة تؤكد رفض مجتمعاتنا العربية للعنف المتصاعد ضد النساء وخاصة الزوجات.
والواقع أن التشدد فى مواجهة العنف ضد المرأة أمر طبيعى، فحق المرأة علينا أن نكرمها ونوفر لها الحماية الواجبة، فنحن ننتمى لدين أكرم المرأة، ووفر لها كل صور الحماية والتكريم، كما ننتسب لبيئة توارثت حماية المرأة بكل الوسائل لتؤدى رسالتها فى المجتمع على الوجه الأكمل، خاصة وأن بعض الرجال يفهمون تعاليم الدين على هواهم وثقافتهم الذكورية، ويمارسون العنف ضد نسائهم سواء أكان عنفا بدنيا أو لفظيا يلحق الأذى النفسى بالزوجة ويهدر كرامتها.
لكن يبقى السؤال المهم: ماذا عن الرجل الذى يتعرض للضرب من زوجته؟ وما هى حقوقه الشرعية والقانونية لو تعرض لأذى بدنى أو نفسى على يد زوجته؟ خاصة وأن الواقع يؤكد وجود عنف متبادل بين الزوجين، وأن ظاهرة عنف الزوجات ضد أزواجهن موجودة فى كل المجتمعات العربية ومن بينها مجتمعنا المصرى بالتأكيد.. وقد كشفت لنا دراسة لاستاذ الطب النفسى الشهير د.محمد المهدى الأستاذ بطب الأزهر تحت عنوان (ضرب الزوجات للأزواج) أن الظاهرة موجودة دوليا وعربيا، ففى الهند - مثلا- كانت نسبة الأزواج " المضروبين" 11% ، وفى بريطانيا 17%، وفى أمريكا 23%، وفى العالم العربى تراوحت النسبة بين 23% و 28%، وتبين أن النسب الأعلى تكون فى الأحياء الراقية والطبقات الإجتماعية الأعلى.. أما فى الأحياء الشعبية فالنسبة تصل إلى 18% فقط.. ويرجع د.المهدى- سبب ارتفاع عنف النساء ضد أزواجهن فى الأحياء الراقية الى استفادة أو انخداع المرأة بجهود تحرير المرأة وتمكينها، فعلا صوتها " وسوطها " أكثر من المرأة فى الأحياء الشعبية والتى لم تصلها تلك الجهود، وما زالت تنظر لزوجها باحترام أكثر ولا تلجأ إلى منافسته أو مزاحمته أو القفز على مكانته.
**
الخلاصة هنا أن الزوج أصبح يُضرب كما يَضرب، وأصبحت بعض النساء ترى أن من حقهن رد عدوان أزواجهن، فهو حق كفله القانون، كما يسانده الشرع فى ظل ضوابط معينة يجب الالتزام بها حتى لا تخرب البيوت وذلك تطبيقا لحق الدفاع عن النفس.. ذلك أن كثيرا من الرجال لا يمكن أن يعيشوا مع زوجات امتدت أياديهن إليهم لأى سبب من الأسباب.. لذلك يوجه علماء الدين والطب النفسى دائما الزوجات اللاتى يعانين من ضرب أزواجهن الى ضبط النفس بقدر المستطاع، حتى لا يخربن بيوتهن، فكثيرا ما يتهور الزوج ويمد يده على زوجته لحظة انفعال أو غضب ثم يعود سريعا ويعتذر ويصالح زوجته بكل الوسائل.
والواقع أن تشديد عقوبة ضرب الزوجات لن تحقق للمرأة حماية إضافية- كما يؤكد كثير من خبراء العلاقة الأسرية ومعهم أساتذة قانون- حيث ينظرون للأمر بواقعية ويؤكدون أن القوانين المطبقة حاليا فيها ما يكفى لمعاقبة زوج تسبب فى أذى بدنى لزوجته، هذا فضلا عن أن تشديد العقوبة سيدفع كثيرا من الزوجات الى التجرأ على أزواجهن واستفزازهم للإيقاع بهم أو الانتقام منهم لوجود أى خلاف بينهم.. لذلك ينبغى التفكير الى الأمر بموضوعية وواقعية حتى يكون أى تشريع فى مكانه الصحيح، ويحقق أهدافه المنشودة، دون أن تترتب عليه تداعيات اجتماعية تؤثر على الأمن الأسرى.
قرأت رأيا للدكتور أحمد مهران أستاذ القانون العام يؤكد فيه وجود ما يكفي في القانون المصري للتعامل مع حالات العنف المتبادل بين الأزواج ويقول: من يطالب بذلك لا يدرك كل البنود الموجودة في القوانين الخاصة بالتعامل مع حالات العنف، وهذا الطرح من الممكن أن يترتب عليه نوع من الفتنة وإحداث الانقسام داخل الأسرة والمجتمع، فليس هناك داع لوضع نصوص قانونية لحماية من لا يحتاج إلى حماية، فالمرأة ليست بحاجة لقوانين حماية، وكل ما نحتاج إليه هو تطبيق نصوص القوانين الموجودة، التي تحمي الرجل والمرأة، وكل أفراد الأسرة.
**
فى حوار سابق سألت العالم الأزهرى د.نصر فريد واصل عضو هيئة كبار العلماء ومفتى الجمهورية الأسبق عن أهمية تشديد عقوبة من يضرب زوجته فى مجتمعاتنا العربية فقال: ضبط علاقة الرجل بزوجته لن تتحقق بالقوانين وحدها، بل لابد من نشر الوعى الدينى والاجتماعى والأخلاقى بإحسان التعامل مع المرأة، والتصرف معها بإنسانية ورقى، ونصوص القانون لن توفر وحدها الحماية للمرأة، وانما التى توفر تلك الحماية هى تعاليم وآداب الإسلام، فالمرأة فى بلادنا العربية ليست فى حاجة الى حماية قوانين، بقدر ما هى فى حاجة لحماية أخلاقية، وهذه الحماية موجودة فى منظومة الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين فى شريعتنا الإسلامية، فقد وفرت للمرأة أفضل صور الحماية، وكفلت لها؛ أمًّا وأختا وزوجةً وبنتا، كافة الحقوق التي تعينها على القيام بدورها، وحرمت أي مساس بكرامتها، أو انتهاك لإنسانيتها، وأقامت ميزان العدل بينها وبين الرجل، بما يكفل لكليهما أداء دوره بفاعلية في بناء أسرة صالحة، ومجتمع قوي مترابط، ويحقق للأمة نهضتها ورقيها.
لذلك يطالب المفتى الأسبق بضرورة تبنى المجالس التشريعية للحقوق الشرعية للمرأة، لأنها أساس كافة الحقوق، وهى تجسد تكريم الإسلام وحمايته لها، ويقول: ما جاء به الإسلام من حقوق وآداب تعامل بين الزوجين هو الذى يوفر للطرفين حياة طيبة، فالإسلام أول من وضع أسس وقواعد المساواة والعدالة بين الرجل والمرأة فى الحقوق والواجبات، بما يكفل استقرار العلاقة بينهما، وضمان عدم وجود نزاعات وصراعات، ليؤدى كل منهما دوره، ويقوم برسالته فى تناغم وتعاون مع الآخر.