من الألف إلي الياء
اصبح وأضحي وأمسي الفساد لغة عالمية تنخر في جسد دول عديدة وتهدد الأخضر واليابس وبكافة مشروعات التنمية المستدامة لإخلاله بموازين إستغلال الموارد الطبيعية والبشرية ،وتوزيع الثروة والعدالة الاجتماعية، وتتجسد آثاره وتداعياتها الضاره بمعظم الدول المتأخرة والساعية للنمو.
كما عمق الجراح الدول الصناعية الكبري ، وأضافت نوعا جديدا من الفساد والإفساد في الأرض ، بالتملص من إلتزاماتها بتقليص الإنبعاثات السامة كأول وثاني أكسيد الكربون،الميثان وغيرها ،مما ترك أثارا سلبية علي معدلات التغيرات المناخية، علاوة علي الإخلال الطبيعي بالتوازن البيئي الطبيعي.
وتشير تجارب ودلالات الواقع أن تفشي الفساد واستئثار فريق بالثروة ،قد تسبب في تعطيل وعرقلة برامج الإصلاح والتنمية المستدامة في دول عديدة، كما تسبب في الكثير من المشكلات الإجتماعية ،كالفقر ونقص الغذاء وتفشي الأوبئة،وإهمال الرعاية الطبية والتعليم وتزايد الفوراق الطبقية بين فئات هذه المجتمعات.
وفي مثل هذا اليوم ٣١ أكتوبر من عام ٢٠٠٣م ،اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحده اتفاقية دولية جديدة لمحاربة الفساد، وتم إختيار يوم ٩ ديسمبر يوما عالميا لمكافحة كافة صوره والتوعية بمخاطره وتداعياته وٱثاره المدمره.
والأمر المستهجن أن محترفي صناعة الفساد، يعملون بخبث تحت أغطية عديدة وستائر شيطانية ومبررات ماكره وواهية.
والبعض اتخذ من تقديم التسهيلات والوساطات ،والتفنن في التبديل و التغيير والصيانة وتجديد كل ما قديم ، وسيلة للتربح وجلب المصالح والعمولات وتحقيق أرباح طائلة، وإهدار المليارات من أموال الدولة دون وجه حق أو فائدة حقيقية.
هؤلاء وأولئك يمارسون ما يمكن تسميته بالفساد المقنع أو المستتر، وهو أبشع أنواع الجرائم الإجتماعية.
وبعيدا عن لغة الفلسفة والرؤي الملتوية، وتعدد الإصطلاحات والمترادفات ، يظل الفساد فسادا، مها إلتحف بأقنعة ، واتشح بالفضيلة والنوايا المستترة، ومبررات الإصلاح ، والتطوير الوهمي !.
واعتقد أن الدليل العصري الصارخ لهذا التناقض، كانت تجربة لبنان مع الفساد وكيف ساهم في شل الحياة الإقتصادية والسياسية وحول البلاد لمستنقع من الصراعات والنزاعات،والأزمات المتتابعة.
وبتقييم التجربة السورية والعراقية والليبية واليمنية وغيرها تجد الفساد والمفسدين محددات أساسية في تدمير المقدرات وتقويض الإستقرار السياسي والديمقراطية والوفاق الوطني ، ومن ثم توقف عجلة التنمية الشاملة بكافة روافدها وصورها الإجتماعية والثقافية والإقتصادية والسياسية ، وعند إعادة الإعمار يتقدم المفسدون صفوف الإصلاح والتنمية من جديد !.
وتبقي تساؤلات الدهر المحيرة بلا إجابات مقنعة.. هل عالم اليوم يمتلك آليات جادة وإرادة قوية وعزيمة صادقة لمحاربة كل صنوف وصور الفساد والقضاء المبرم عليه، أم سيظل الحديث عنه مجرد أمنيات وتطلعات لشغل الأذهان ، وذر الرمال في الأعين وتسكين ما بقي من ضمائر ؟!.
في اعتقادي أن الكثير من حكومات الغرب تكذب وتتجمل وتمارس بكفاءة عالية سياسة إزدواجية المعايير ، ففي ملف حقوق الإنسان تدعو لحرية الرأي والتعبير وممارسة الديمقراطية ، وتمارس أبشع صور الفساد وإستنزاف ثروات دول العالم الثالث،حتي أصبح منهجها إستراتيجية دهرية تضمن لها التفوق الحضاري الأبدي!.
كما تعقد مؤتمرات عديدة لوقف العدوان علي البيئة ،والتغيرات المناخية وآثارها الخطيرة بسبب الانشطة الصناعية المتزايدة، وتتهرب من مسئولياتها، ودائما يدفع الفقراء ودول العالم الساعي للنمو الثمن أضعافا مضاعفة.
ويجمع خبراء الإقتصاد أن الفساد أخطر معاول الهدم ،وعلي رأس أهم معوقات مشروعات الإصلاح والتنمية ، وله أبعادإجتماعية وإقتصادية وآثار سلبية خطيرة ،وله صور عديدة ومتغيرة وعلي مستويات مختلفة ومتباينة ، سواء من قبل الأفراد أو بعض المؤسسات ، وتتدرج لتصل لبعض المنظمات الدولية والكيانات والشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات، والتي تتخذ من تجارة السلاح والأدوية المغشوشة والمواد المسرطنة والمشعة، نشاطا لها ، وتتلون كالحرباء حسب قانون كل دولة أوإقليم، للايقاع بضحاياها، علاوة علي أنشطتها الفاسدة في غسيل الأموال وتجارة الجنس والأعضاء البشرية، وغيرها.
وبالعودة لمصر المحروسة ،نجد أن الدولة بذلت جهدا كبيرا لمحاربة الفساد، ولاتزال ولديها من الأجهزة الرقابية ما يكفل تحجيمه وربما القضاء عليه تدريجيا ، وقد رأينا وزراء سابقين ونوابا ومسئولين ورجال أعمال من زمرة الفاسدين ، يتساقطون تباعا بين يدي العدالة.
وتواصل الأجهزة الرقابة عملها لحفظ المال العام والدفاع عن مكتسبات الشعب وإنجازاته، فقد أفلحت هيئة الرقابة الإدارية وكافة أجهزة الدولة في استرداد عشرات المليارات للخزانة العامة خلال السنوات القليلة الماضية ،مابين مخالفات وسرقات إدارية وعمولات ورشاوي ومناقصات مشبوهة وقضايا فساد وتموين وغيرها.
وستظل مردودات وعوائد التنمية مرهونة ، بمحاربة وكشف الفساد المعلن والخفي والتصدي للخارجين عن القانون والمتربحين بكل حزم وشفافية وتجرد، إيثاراً لصالح البلاد والعباد.