رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله

[email protected]

تحدثنا فى مقال يوم الجمعة الماضى عن أهمية صلة الرحم كقيمة إسلامية، وفضيلة إنسانية، وسلوك اجتماعى راق يكافىء عليه الخالق سبحانه وتعالى كل من يحرص عليه ويؤديه بإخلاص، وأوضحنا أن مواقع التواصل الاجتماعى رغم أهميتها فى تحقيق ذلك التواصل إلا أنها لا تغنى فى كثير من المواقف والمناسبات عن صلة الأرحام بالوسائل التقليدية التى علمنا إياها ديننا وترجمها عمليا رسولنا العظيم صلوات الله وسلامه عليه ووجهنا إليها وأوصانا بها من خلال العديد من التوجيهات والوصايا النبوية الصادقة.

لقد وعد الله على لسان رسوله الخاتم كل واصل لرحمة أن يبسط له الرزق بركة فينتفع بما له انتفاعا صحيحا ويستثمر أمواله استثمارا حلالا طيبا.. فالحلال الطيب خير من الكثير الحرام.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن صلة الرحم تحقق للإنسان الواصل المخلص في إحسانه لأقاربه وعطفه عليهم بركة أخرى غير )بركة الرزق( وهي (بركة العمر)، وبركة العمر لا تعني زيادته، فمن المعلوم أن الآجال والأرزاق مقدرة أزلا لا تزيد ولا تنقص: "فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون". ولذلك رجح العلماء أن يكون المراد ببركة العمر التوفيق للطاعات، واستثمار الوقت بما ينفعه، وصيانته عن الضياع في غير البر والخير والمعروف.. هذا فضلا عن إبقاء الذكر الحسن بعد الوفاة فإن الذكر الطيب حياة ثانية، وقد دعا إبراهيم الخليل فقال: "واجعل لي لسان صدق في الآخرين".

**

وهنا ينبغى التحذير من رذيلة قطع الرحم، فقد أكد العلماء أنها من كبائر الإثم، وأقبح المنكرات، وتدل على قسوة القلب وجمود العاطفة، ومن تلوث بها لا يرجى منه خير، ولا تؤمل منه رحمة، ذلك لأن خيره إذا بعد عن الأقربين فهو عن الأجانب أبعد، وقلبه إذا قسا على ذويه فهو على غيرهم أقسى وأغلظ، وديننا الحنيف يحذرنا من ذلك أشد التحذير، لأن عاقبته اللعنة وسوء المصير، يقول الله تعالى: "والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار".

لقد علمنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أن صلة الرحم التي تحقق للإنسان رضا الله وعفوه وعظيم عطائه وثوابه؛ لابد أن تكون عن رغبة صادقة وإيثار لا ينقطع.. ولذلك لا ينبغي أن يحتج إنسان ويبرر قسوته وجفوته ويقول: إني أصل رحمي وهم يقطعونني، وأحسن إليهم وهم يسيئون إلي، وأحلم عليهم وهم يجهلون علي، فقد شكا بعض الصحابة ذلك للنبي، فلم يأمر بمقابلة السيئة بالسيئة، ولكن ثبت قلبه وشد أزره وأخبره أن الله معه عليهم، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن مقام الإحسان فوق مقام العدل، وأن المسلم ينبغي له أن يطلب الكمال في كل أحواله فقال: "ليس الواصل بالمكافئ ـ أي الذي يقابل الإحسان بالإحسان ـ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها".

**
إن قدوتنا ومثلنا الأعلى فى التواصل الاجتماعى ينبغى أن يكون رسولنا العظيم، فقد كان- كما يقول د. أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء- أبرز رواد التواصل الإنسانى والاجتماعى فى التاريخ، حيث تعددت توجيهاته الكريمه، ووصاياه الصادقة، لدفع المسلمين فى كل العصور الى صلات أرحامهم والعناية بالتواصل مع جيرانهم، والصدق فى التعامل مع أصدقائهم وزملائهم، بل الصدق فى التعامل مع الناس جميعا حتى يكتسب ثقتهم ويحظى بمودتهم.

لكن.. كيف يصل الإنسان رحمه؟

يقول د. هاشم فى الإجابة عن هذا السؤال: لصلة الرحم وجوه عديدة منها ما يكون بالمال، ومنها ما يكون بتفقد أحوالهم وقضاء مصالحهم، وهي ليست خاصة بمن يصلون المودة.. بل إن المسلم مطالب بأن يصل جميع رحمه، سواء أحسنوا إليه أم أساءوا.. والمعنى الشامل لوجوه الصلة هو إيصال ما يمكن من الخير ودفع ما يمكن من الشر، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب، فمن وصل بعض الصلة، ولم يصل غايته لا يسمى قاطعا ولو قصر عما يقدر وينبغي له لا يسمى واصلا.

وأخيرا.. ما أحوجنا جميعا الى التخلق بهذا الخلق الكريم، فقد حثنا خالقنا والأعلم بأحوالنا كلها على ضرورة الحفاظ على الأرحام واستمرار صلتها؛ قال تعالى: "وأتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام.. أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها؛ كما أوصى الله تعالى عباده بالإحسان إلى الوالدين وذوي القرابة والجيران والمحتاجين قرينَ أمره بعبادته سبحانه وتعالى؛ وذلك إشعارا بأهمية توثيق هذه الآداب وبيان منزلتها في التصور الإسلامي؛ فقال جل شأنه: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا".. كما نفر سبحانه وتعالى من قطع الأرحام وذكر أنه من صفات الجاهلية والبعد عن دين الله؛ فقال تعالى:" فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الأرض وتقطعوا أرحامكم".

واجبنا أن نستخدم كل الوسائل العصرية والتقليدية لتحقيق صلة الرحم بالمعانى والصور الكريمة التى حث عليها الإسلام، وصلة الرحم ليست بالكلمات فقط، لكنها بالبذل والعطاء، ومن يمرض من الأهل والأقارب وكانت زيارته متاحة ينبغى زيارته وقد جعل الإسلام لزيارة المريض أجرا وثوابا الى جانب أجر وثواب صلة الرحم.. أيضا الكلمات الداعمة للأهل والأقارب عبر مواقع التواصل الاجتماعى تعتبر من مظاهر صلة الرحم، لكنها لا تغنى عن التودد إليهم والتواصل معهم عبر الزيارات واللقاءات الأسرية والعائلية.. وعلى كل إنسان أن يتذكر دائما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من سره أن يبسط له فى رزقه أو ينسأ له فى أثره فليصل رحمه".. كما علينا أن نتذكر قوله الكريم:" لا يدخل الجنة قاطع رحم".

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة