لوجه الله
لا يختلف اثنان على أن مواقع التواصل الاجتماعى وأبرزها "فيس بوك وتويتر" قد اتاحت فرصا أكثر للتواصل بين الناس على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والفكرية والثقافية، وأصبح التواصل بين الأقارب والأصدقاء والجيران وزملاء العمل سهلا وبسيطا وآنيا بطريقة غير مكلفة للجميع.. بل إن شبكات التواصل الاجتماعى أنقذت حياة ناس كانوا فى مواقف صعبة وأزمات حقيقية ووجدوا العون والمساعدة والانقاذ من آخرين بفضل هذه الشبكات التى جعلت العالم قرية صغيرة يتواصل أهلها فيما بينهم بيسر سهولة.
لكن.. رغم كل هذه المنافع والفوائد التى تحققها مواقع التواصل الاجتماعى لكل الناس، فإنها لا تغنى أبدا عن أشكال الاتصال والتواصل التقليدية خاصة بين الأسر والأقارب، كما أنها لا تغنى عن صلة الارحام بوسائلها وأدواتها المتنوعة، حيث لا يكفى أن يطمئن إبن على أبويه من خلال رؤيتهم يتواصلون مع الآخرين على فيس بوك، كما لا تغنى رسالة من إبن لأمه على ماسنجر أو واتس أب لكى يبرها أو يودها ويطمئن عليها.
***
لقد أهمل بعض الأبناء بر والديهم بالوسائل المرضية للآباء والأمهات والتى تجلب لهم رضا الخالق سبحانه وتعالى، كما قطع الكثيرون صلات أرحامهم وواجباتهم الاجتماعية تجاه أقاربهم، والوقوف الى جانبهم فى السراء والضراء، واستبدلوا تلك الواجبات والزيارات والعطاءات بكلمات قليلة مختصرة على مواقع التواصل الاجتماعى، ورغم النتائج الايجابية التى حققتها تلك المواقع لمنظومة العلاقات الاجتماعية والأسرية على مستوى العالم، إلا أن لها تأثيرات سلبية، حيث استعاض بها الكثيرون عن القيام بواجبات أسرية واجتماعية وإنسانية لها تأثيرها الكبير فى علاقات الناس، فتساهل الكثيرون فى القيام بهذه الواجبات، واستغنوا عنها بكلمات تهنئة، أو مشاطرة ومواساة، أو التعبير عن أمنيات فى المناسبات المختلفة، دون مشاركة وجدانية حقيقية تؤكد صلة الرحم وقوة ومتانة العلاقات الانسانية والاجتماعية، فعندما يرحل شخص تربطنا به علاقة قرابة لا يجوز أن نقوم بأداء الواجب من خلال عبارة على فيسبوك أو تويتر، وعندما يمرض أحد الأقارب أو الأصدقاء تصبح زيارته فى مكان مرضه- لو كانت تلك الزيارة متاحة وآمنة وغير مزعجة للمريض- من الواجبات الانسانية والاجتماعية.. وهكذا ينبغى أن تؤدى الواجبات الإنسانية والاجتماعية بين الأسر والعائلات والأصدقاء.
الوفاء بفضيلة صلة الرحم بين الأسر والعائلات، وحقوق الصداقة والزمالة والجيرة بين الناس بالوسائل التقليدية التى تؤكد إنسانيتنا.. وقد علمنا ديننا كيف نصل أرحامنا وكيف نحسن إليهم لنتقرب بذلك إلى الله عز وجل وننال أجره وثوابه وعطاءه الجزيل، فصلة الرحم تقوى روابط المودة بين الأسر والعائلات، وعلينا دائما أن نقوم بواجبنا نحو هؤلاء الذين أوصانا ديننا ببرهم والإحسان إليهم، هؤلاء الذين نتقوى بهم في الحياة، ويكونوا عونا لنا على مصائب الدنيا وظلم الآخرين، فالمسلم لا يعيش وحده، ولا يمكن أن يعيش بمعزل عن أهله وأقاربه وجيرانه وأصدقائه، بل يحتاج إلى بني جنسه، يعاونهم ويعاونوه، ويخدمهم ويخدمونه، وإذا كان هذا شأن المسلم الذي لا تربطنا به صلة رحم، فإن ذوي القربى والرحم أحق بالصلة وأولى بالتراحم.
لذلك حثنا ديننا على صلة الرحم، ودفعنا إلى هذه الفضيلة دفعا لننال العطاء الإلهي الوافر، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: "من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه" أي من أراد أن يوسع الله له في رزقه، وأن يبارك له في عمره عليه أن يصل رحمه.. وبسطه الرزق ـ كما أوضح شراح الحديث ـ قد تكون كثرة، وقد تكون بركة، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب.. وعطاء الله الدنيا لبعض الناس كثرة ليس دليلا على تكريم من الله أو محبة منه جل جلاله، وإنما مدار التكريم والمحبة على بركة الرزق ونمائه وحسن الانتفاع به.