من الألف إلي الياء
تبذل الدولة المصرية في عصر الجمهورية الجديدة جهودا متواصلة لتطوير النظام التعليمي وتوظيف مخرجاته ومردوداته، لدعم مشروعات التنمية وتلبية إحتياجات سوق العمل.
وقد أجادت وزارتا التربية والتعليم، التعليم العالي، وبكفاءة عالية التعامل مع جائحة كورونا قبل ما يقترب من عامين ، واعدت خططا بديلة لإستمرار العملية التعليمية ، وأستعانت لفترات متفاوتة بفكرة التعليم الهجين والتعليم "أون لاين" ،وسمحت بمجموعات تعليمية داخل المدارس الحكومية والخاصة بديلا للدروس الخصوصية وغيرها.
وكنت أتصور أن تدشن الوزارة هذا العام بما لديها من مستشارين وخبراء خطة أكثر إحكاما ،لتجاوز أزمات كورونا مع بدء الموجة الرابعة الشرسة بما تتضمنه من تحورات للفيروس ،فقد جاءت إشكالية مشاهد التكدس في المدارس بمرحلة التعليم قبل الجامعي لتشوه صورا مشرقة وجهودا مضنية، بلا مبرر حقيقي!
كل الحقائق تؤكد أن مشكلة التكدس في المدارس ليست وليدة اللحظة ،بل إنها من أهم الآفات الموروثة المعوقة للعملية التعليمية ، ورغم ما إتخذته الوزارة من قرارات وإجراءات لإحداث نقلة نوعية وتطوير التعليم شكلا ومضمون ،إلا أن المشكلة طلت برأسها من جديد مع الإصرار علي عودة الدراسة بصورتها التقليدية، وإستبعاد أو تأجيل الخطة البديلة وللجوء للتعليم الهجين، وتقسيم الصفوف علي أيام الأسبوع.
وأعتقد أن مشكلة التكدس في مدارس مصر في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي ، تتطلب حلولا متنوعة وأفكار مبدعة خارج الصندوق ، فالإحصائيات الرسمية تكشف عن حجم دولة "التلاميذ" في مصر المحروسة ،والتي تعادل تعداد سكان عدة دول متوسطة ، حيث يصل إجمالي عدد الطلاب في المدارس الحكومية والخاصة إلى 24 مليونا و403 آلاف و924 طالبا وطالبة ، موزعين على 57 ألفا و749 مدرسة حكومية وخاصة، من بينها 48 ألفا و580 حكومية و9169 مدرسة خاصة بنسبة 15%، وفقا لوزارة لإحصاء وزارة التربية والتعليم في العام الدراسي الحالي، مع الزيادة السنوية المتوقعة.
وقد صدم مشهد التكدس الكثيرين من أهل المحروسة ،قلقا ،ورعبا من تفشي فيروس الكوفيد ،وظهور تحورات جديدة قد تزيد من معدل الإصابات بين الطلاب والمعلمين.
وقدمت الوزارة مقترحات عاجلة وحلولا مؤقته لم تأخذ نصيبها من البحث والدارسة ،كفكرة اللجوء لتقسيم اليوم الدراسي لفترتين او ثلاثة ،وبطبيعة الحال إلغاء حصص الأنشطة ، علاوة علي سد عجز المدرسين والإستعانة بالمتطوعين وقليلي الخبرة قبيل أيأم قليلة من بدء الدراسة ، وهو ما أثار حفيظة الأهالي وتوجسهم من المستقبل.
ولا أدري لماذا لا تحرص الوزارة علي المشاركة المجتمعية في هذا "الحمل الثقيل" ،والإستفادة من مقترحات مجالس الأمناء و الآباء وأساتذة وخبراء المناهج بمختلف كليات التربية بالجامعات المصرية ،والتي يزيد عددها عن27 كلية !.
وهناك أفكار ومقترحات عملية عديدة منها تنفيذ فكرة الفصول الجاهزة الذكية أو ما تسمي أحيانا " المحمولة" ، سهلة الفك والنقل والتركيب في أفنية بعض المدارس التي تعاني من هذه الظاهرة.
وللصين تجربة رائدة في تصميم هذه الفصول الجاهزة للتغلب علي مشكلة الكثافة الطلابية المتزايدة، ينبغي دراستها والإستفادة منها لمجابهة متطلبات دولة "التلاميذ" !
وايضا الدراسة الجادة لفكرة الفصول الإفتراضية وبدء تنفيذهها خاصة في المدن وفي المناطق التي تتمتع بشبكات إنترنت قوية، والفصول الافتراضية أو ما يطلق عليها احيانا، الإلكترونية أو التخيلية هي بيئة للتعليم المباشر أو غير المباشر، و يمكن لهذه البيئة أن تكون معتمدة على الويب كما يمكن الولوج إليها أيضا عبر بوابة أو استنادا إلى برامج تتطلب التحميل والتثبيت.
وتعتبر الثورة المعلوماتية والإليكترونية من العوامل المساعدة على تطور الفصول الافتراضية ،فالمعلومة لم تعد هي الهدف بقدر ماهو مهم كيفية توصيلها وتوظيفها والإستفادة منها.
ومن أهم مميزات وإيجابيات الفصول الافتراضية التي حققتها بعض الدول التي اعتمدت عليها :
– سهولة الاستخدام.
– التعليم في أي وقت ، وفي أي مكان .
– إمكانية التعليم الفردي والجماعي .
– التفاعل والإستجابة المستمرة والمتابعة المستمرة.
– الانخفاض الكبير في التكلفة .
– لا تحتاج إدارة الفصول الافتراضية مهارات تقنية عالية .
– تغطية عدد كبير من الطلاب في مناطق جغرافية مختلفة وفي أوقات مختلفة .
– تشجيع الطالب على المشاركة دون خوف أو قلق .
– إعفاء المعلم من الأعباء الثقيلة بالمراجعة و التصحيح ورصد الدرجات والتنظيم .
– دعم التعليم التفاعلي .
– إمكانية تسجيل الدروس لإعادة مشاهدتها .
– وجود حجم كبير من المعلومات عبر المكتبات الرقمية (digital libraries)
– تدعيم قدرة الطلاب علي البحث والتعامل الذاتي.
وقد تكون للإفتراضية سلبيات وبعض نقاط الضعف ،لكنها ليست مبررا لعدم الإعتماد عليها ،منها ضرورة أن يكون للطالب القدرة علي استخدام الحاسوب ، وتوفر شبكة الإنترنت وإعداد محتوى تعليمي مناسب للنشر علي المواقع باللغة التي يستوعبها الطلاب،وضرورة وجود نظام إدارة و متابعة خاصة.
ولذا من الممكن أن يتم تطبيقها علي الصفين الثاني والثالث الثانوي، فالواقع يؤكد انخفاص نسبة الحضور لدي طلابهما، والإعتماد بصفة أساسية علي مجموعات التقوية والدروس الخصوصية.
وأتصور أنه من المهم أيضا التخلي تدريجيا عن مركزية القرارات وإطلاق المجال رحبا للمزيد من الأفكار المبدعة بمختلف المديريات التعليمية، فمعين الكفاءات والجدارات لاينضب أبدا رغم أن منظومة التعليم إرث ثقيل وتتضاعف مشكلاته وتحدياته عاما بعد عام، لكن لا مستحيل مع الإرادة والأمل والتفاؤل بغد أفضل.