من الألف إلي الياء
أصبحت الثورة الإليكترونية بما تحويه من منصات ومواقع ومدونات عالما جديدا ومغايرا يقدم موادا إعلامية وتربوية ودرامية بصيغ وأشكال مختلفة تجمع ما بين الصورة والڤيديو والصوت والتأثيرات المختلفة، ويخطو بخطوات رأسمالية متسارعة، وأحيانا متوحشة تسابق في معظم الأحيان مساعي حوكمته ومراقبة أداء القائمين عليه.
وهدف هذه المنافسة المحمومة هو تحقيق "التيرند" وأعلي المشاهدات ، لتوظيف تلك المنصات و"الميديا" المعاصرة لتسويق المنتجات والخدمات وبث حملات ترويجية وإعلانية، ودعم السلوك الإستهلاكي، وجذب ملايين المتابعين والمشاهدين.
وتحت غطاء حرية الإبداع ،وفي سبيل صناعة "التيرند" وتحقيق السبق تشهد الساحة الإليكترونية حالة غريبة من الزخم والهوس والصراع، ومكمن الخطورة ،أنها بدأت في تجاوز الخطوط الحمراء التي تحفظ الإطار التربوي والسياج الأخلاقي المحصن لقيم المجتمع.
وتتجه الدولة لفرض ضريبة جديدة علي المتربحين ومحترفي صناعة المضامين المتنوعة علي مختلف شبكات التواصل الإجتماعي من (المدونيين والبلويجرز واليوتيوبرز)،ومنتجي فيديوهات التيك توك،وغيرها، ممن تصل أرباحهم سنويا إلي 500 ألف جنيه سنويا.
وقد أثار هذا القرار جدلا مجتمعيا واسعا وانقسم المصريون كعادتهم لفريقين وربما أكثر وطرحوا رؤي متباينة عجت بها صفحات ومنصات وشبكات التواصل.
البعض يري أن الدولة ممثلة في مصلحة الضرائب تتفنن في محاصرة المواطنين والتضييق عليهم بإقرار ضريبة جديدة.
علي الجانب الآخر يري البعض أن الحكومة لها حق في مراقبة هذه والمواقع والمنصات، وتحصيل هذه الضرائب التي تصب في النهاية في صالح المواطن.
وأعتقد أن هذا الرأي هو الأصوب فقد أصبحت هذه البرامج صناعة خاصة ،ونشاطا تجاريا يدر أرباحا طائلة ، ويجمع مضمونها مابين الغث والثمين والضار والمفيد ،وهناك ضرورة مجتمعية لضبط ومراقبة ماتقدمه من مواد ترفيهية وإعلانية، ويجب أن يضطلع نواب الشعب بمجلسي الشيوخ والنواب وكافة مؤسسات التشريع في إعداد مقترحات وسن ما يلزمها من قوانين تنظم عملها وتضبط أداءها،وتضمن تحصيل حق الدولة المشروع في كافة ما تقدمه من أموال، دعما للخزانة العامة.
وأقترح توجيه جزء من الحصيلة الضريببة إلي دعم منصات وقنوات الإعلام القيمي الهادف وصناع المحتوي الإبداعي الرقمي التنموي والعلمي المتميز ، والذي لا يحصد إلا مشاهدات متواضعة مقارنة بالمحتوي الرقمي "التافه"، والمضمون الهابط، والذي يخاطب الغرائز ويهدف للإثارة وجذب الإنتباه ولا يكترث كثيرا بمخاطبة العقل والوجدان والضمير، والإرتقاء بالذوق العام.
وفي تصوري أننا في حاجة لتقييم الآثار الإجتماعية الإيجابية والسلبية لهذه الموجة الشرسة من الهجمات الرقمية الجديدة، بما تحويه من مواد إعلاميه وتوجيهه مفيده ،وإعلام جامح ودراما خبيثة ، ومحتوي موجه ، قد يسهم مع مرور الوقت في الغرس الثقافي السلبي ،ولتراكمات تعبث بمنظومة القيم والأخلاق وتمهد العقول والأفهام لتزييف الوعي وفقدان الهوية.
والأخطر أن هذه المنصات تجذب أعدادا هائلة من الشباب، ويستخدمها بعض المغرضين في نشر معلومات وبيانات غير دقيقة،وفي توجيه دعايات مضاده وبث سموم ومواد ساخرة تضر بأمن وإستقرار الوطن، ومن ثم هناك ضرورة قومية ومجتمعية لإخضاعه للرقابة والمتابعة ، وفقا لقوانين صارمة ولوائح منظمه.
وبمنطق "خذ من خليلك ما صفا ودع ما فيه الكدر"، أتصور أن هناك جوانب إيجابية لهذا الرافد الجديد من الإعلام البديل، ينبغي تعظميها لتوظيف الطاقات المبدعة وإكتشاف المواهب الواعدة ، كما أنها توفر آلاف من فرص العمل وإستيعاب بعض الهواة ومحترفي الكتابة والتصوير الأداء الصوتي والمونتاج وهندسة الصوت،والمونتاج والإخراج والتصميم وغيرها.