من الألف إلي الياء
من جديد عادت قضية تأمين المعلومات والأمن "السيبراني" وتوفير المزيد من نظم الحماية والوقاية في العصر الرقمي المتسارع ،وقفز إلي سطح الرأي العام الدولي اتجاهات جادة لمناقشة مضار وتحديات الإنطلاق في هذا الفضاء الإليكتروني الرحب !.
ومن جديد بدأ العالم يعيد حساباته بعد توقف أكبر شبكة للتواصل الإنساني علي مستوي العالم،ورافديها "الواتس آب والإنستجرام"، قبل أيام قليلة، والتي استمرت لأكثر من عشر ساعات وتعرض أجهزتها للتعطل والصمت، ومعها سقطت ذاكرة العالم اللحظية ،وتواصلها الآني، مع سلسة من الأزمات والخسائر بالمليارات لدي الجهات التي تعتمد علي هذه المنصات.
وبعيدا عن فكرة المؤامرة وتعمد بعض "الهاكر" الصيني العبث بالأمن المعلوماتي وأنظمة تشغيل تلك الشبكات الضخمة والإخلال بكبرياء وهيمنة الشركات الأمريكية ،وهو أمر وارد فإن العالم بدأ بجدية في بحث تجنب عواقب هذه المخاطر المحتملةوتجنب عواقبها الوخيمة المتوقعة.
وكل مؤشرات الأحداث وتداعياتها تؤكد أن القضية أصبحت قضية أممية متشابكة المحاور، ولها أبعاد إنسانية وإجتماعية وسياسية وإقتصادية عديدة، علاوة علي الأبعاد الإستخباراتيه والإستراتيجية والحضارية ، حيث أصبحت الثورة المعلومات الرقمية هي لغة التواصل، والهيمنة في النظام العالمي الجديد.
وفي تصوري أن التراث الإنساني العتيد أمسي في خطر داهم ، وأيضا أسرار أهل الدنيا ،وخاصة دول العالم المتأخر، بما يحتوي من يوميات وبيانات لمئات الملايين من الحسابات والمدونات بمختلف أنحاء المعمورة وبماتتضمنه من اتجاهات ومعلومات وفيديوهات وصور وقصص وحكايات وروايات وأماني وتطلعات، والتي تمثل ذاكرة سكان المعمورة الواقعية والإفتراضية.
كل هذا الرصيد وغيره مهددة بالضياع والتبديد ،وربما السرقة بين عشية وضحاها لو حدثت هجمات قرصنة إلكترونية للسيطرة علي مخازن تلك المعلومات و'السيرفرات" الرقمية الضخمة ، وربما محوها أو توظيفها لأغراض ما ،وربما التربح منها والمساومة علي إستعادتها !.
وللقضية أيضا لها أبعاد حضارية وسياسية وإستراتيجية ،فدول شرق آسيا والنمور الصاعدة ،ومن قبلهم الصين يسعون حثيثا لمناطحة الكبار ندا بند، ويرفضون فكرة فرض هيمنة واشنطن المتصاعدة والسيطرة علي سوق العالم الرقمي ،كما يسعون بكل الوسائل والسبل والآليات لإيجاد البديل العملي لتلك الهيمنة والفكاك من القبضة الأمريكية التي أجادت إدارة المنظومة الإليكترونية والمعلوماتية ،بما يتفق ومصالحها،ووفقا لما تراه وتقره من سياسات ،وتوجهات.
وعلي المستوي الإستخباراتي أصبحت هذه المنصات والمواقع والشركات وتحت ستار التواصل الإجتماعية، بديلا لنظم الإستخبارات وقياسات الرأي العام وتقييم درجات الوعي والتيقظ، وجمع المعلومات ورصد مختلف نقاط القوة والضعف لتنفيذ مخططات وترتيبات مستقبلية مغرضة!.
وأعتقد أنه بعد الانتشار الهائل للانترنت والثورة الرقمية، والأجهزة الذكية والأجهزة المحمولة، أصبح من الضروري الانتباه لأهمية الأمن السيبراني وكيفية حماية مجتمعاتها العربية من هذا السيل المتدفق من الآثار السلبية، بداية من حماية أجهزة الكمببوتر ومختلف أشكال الحواسب الآلية وأنظمة الإستخدام المنزلي والشخصي ، وإنتهاء بمختلف مواقع العمل وعلى مستوى الدولة ككل.
والخلاصة أن فكرة تأمين المعلومات أصبحت ضرورة قومية وإجتماعية وأمنية للحفاظ علي خصوصية المجتمعات وهوية الأمة وقيمها وحاضرها ومستقبلها.
هذه القضية وما يكتنفها من أزمات وتداعيات ومحاذير تحتم علي المبرمجين والمبدعين العرب المشاركة بمشروعات أصيلة وبرامج جديدة تسهم في توفير الأمن السيبراني وتأمين الشبكات والمواقع والبرامج الخاصة بالبنوك والشركات والجامعات والمدارس ومنصات المراكز البحثية وموقع الوزارات ونظم الرقمنة والحكومات الإليكترونية،وغيرها.
كما تبدو في الأفق تطلعات ،وأمنيات بالبحث عن بديل آمن لشبكات التواصل الإجتماعي الغربية، وتصميم شبكات بمواصفات تكنولوجية وتقنية خاصة تحصن عالمنا العربي من الهجمات الإليكترونية والقرصنة المعلوماتية المستمرة في هذا العالم المفتوح.
وفي هذا السياق تبدو أهمية دراسة تجربة الصين ،وغيرها ، والتي بدأت منذ سنوات في تدشين نظم معلوماتية تتمتع بحماية خاصة وشبكات تواصل خاصة بها تتحكم في تشغيلها وحماية أمنها ،وما تضمه من رصيد ضخم من علوم ومعارف وييانات شخصية ومعلومات ونبض رؤي مواطنيها ..يسألونك متي هو قل عسي أن يكون قريبا ، فوقائع
اليوم كانت بالأمس مجرد أماني وأحلام!.