رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله



جريمة شاب المنصورة الذى اختطف شقيقته الباحثة بالجامعة وكتفها وعذبها ونزع ملابسها الداخلية لتلبيسها قضية آداب مع صديقه لإجبارها على التنازل عن ميراثها ليست غريبة على عقلية أسر توارثت حرمان الإناث من ميراثهن الشرعى.. والواقع أن قصص إكراه المرأة على التنازل عن ميراثها تتكرر يوميا بتفاصيل مختلفة حيث يعتقد البعض اعتقادا جازما بأنه ليس من حق الأخت أن ترث من ممتلكات الأب شيئا وينبغى أن يعود كل ما تركه الأب لأبنائه الذكور ولو تكرم الأشقاء على شقيقاتهم أرضوها بقليل من المال أو العطايا، ولو رفضت استخدمت معها أساليب ترهيب معتاده حتى ترضخ أو تقبل ما يعرضه الأشقاء عليها من أساليب ترضية.. أما اقتسام الميراث كما شرع الخالق سبحانه فى آيات المواريث فلا وألف لا.

هذه "الثقافة الجاهلية" لا تزال عالقة-للأسف- بعقول البعض، وهى شكل من أشكال الظلم والاضطهاد التى تتعرض له بعض النساء وتتطلب جهودا توعوية وتشريعية لمواجهتها لوقف الجحود للمرأة بحرمانها من حقوقها الشرعية بفعل العادات والتقاليد الظالمة، وهذا الطمع فى ميراث الأنثى أصبح مصدرا أساسيا لمشكلات أسرية واجتماعية وأمنية تتزايد باستمرار.. فضلا عن قلب حياة المودة والرحمة التى تربط بين الأشقاء الى ظلم وقسوة وجفاء وقضايا ومحاكم.. وربما عنف وقتل.

منذ أيام سألت أحد الأصدقاء المحامين عن أكثر القضايا الأسرية والاجتماعية تداولا فى المحاكم من خلال عمله وعمل زملائه وخاصة فى المحافظات الريفية فقال بلا تردد أو تفكير" قضايا الحرمان من الميراث" وأضاف: لدينا قضايا رفعتها سيدات لا تجدن ما يطعمن به أبنائهن بعد وفاة الزوج عائل الأسرة، ومع ذلك يرفض الأشقاء منحهن ميراثهن، بل إن البعض يرفض أن يكون للبنت ميراث فى الأرض، ويساوموهن للترضية بحفنة من المال مقابل التوقيع على استلام حقوقهن لتحفظ القضايا وتهدر الحقوق للأبد.

صديقى المحامى يؤكد أن صرخات النساء من أشقائهن الجاحدين الناكرين لحقوقهن الذين أعماهم الطمع وأغواهم الشيطان لا تتوقف حيث تشهد جلسات المحاكم دموع وآلام بعض اللآتى أهدرت حقوقهن التى قررها الخالق سبحانه وتعالى على يد أشقائهن دون أن يتحرك ضمير هؤلاء الجاحدين الذين طمعوا فى ميراث شقيقاتهم ويرفضون كل محاولات إعادة تلك الحقوق لهن.

أيضا.. تؤكد التقارير الاجتماعية وسجلات المحاكم وشكاوى النساء وتساؤلاتهن المتكررة للعلماء ورجال الفتوى فى برامج ولجان الإفتاء أن رذيلة الحرمان من الميراث شائعة فى كل المحافظات، وتحولت الى مشكلة لها أبعادها الدينية والاجتماعية والأمنية فضلا عن تداعياتها الخطيرة على العلاقات الأسرية والاجتماعية.
*****
منذ أيام قرأت تفاصيل جريمة قتل مؤلمة حيث وضعت سيدة السم لشقيقها الذى حرمها من الميراث للتخلص منه بعد أن فقدت الوسيلة التى تقنعه أن يمنحها حقها الشرعى لكى تنفق على أولادها بعد وفاة زوجها.. وهذه فى الواقع جريمة غريبة ونادرة فالصراع على الميراث والذى يؤدى أحيانا الى ممارسة العنف وارتكاب جريمة القتل يكون بين الأشقاء الذكور، والمرأة بحكم تكوينها النفسى لا تقدم على ارتكاب جريمة من هذا النوع.. لكن هذه الجريمة تكشف عن مدى المعاناة التى يمكن أن تعانى منها المرأة نتيجة حرمانها من حقها الشرعى.
****
شرعا.. يؤكد علماء الإسلام أن الحرمان من الميراث يمثل أبشع صور الظلم الذى تتعرض له المرأة فى العصر الحاضر، ويتضاعف هذا الظلم فى وقت لا يتوقف العلماء والدعاة فيه عن التوعية والتوجيه الدينى وإصدار الفتاوى التى تحرم وتجرم سلوك من يأكل حقوق شقيقاته، وتبين ما ينتظره من عقاب إلهى، فالمرأة لها حقها الشرعى الذى حدده الخالق عزوجل، ولا يجوز الطمع فيه أو المماطلة فى تسليمه.

اجتماعيا.. تؤكد الناشطات فى مجال حقوق المرأة على ضرورة توعية المرأة للمطالبة بحقوقها كاملة فى الميراث وغير الميراث، وتطالب بتشريعات واضحة ومحددة تعاقب كل من يهدر حقا للمرأة وتلزم الجميع بما قرره القانون وهو مستمد من الشريعة الإسلامية العادلة.

وهنا ينبغى الإشادة بالتعديلات التشريعية التى أقرها مجلس النواب مؤخرا على بعض أحكام قانون المواريث رقم 77 لسنة 1943، حيث أُضيفت مادة جديدة إلى القانون تقضى بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه، ولا تجاوز 100 ألف جنيه، أو بإحدى العقوبتين، كل من امتنع عمدًا عن تسليم أحد الورثة نصيبه الشرعي من الميراث رضاء أو قضاء نهائيا.. ونحن نتطلع الى أن يحقق هذا التعديل التشريعى أهدافه خاصة بعد أن تحول حرمان المرأة من حقها فى الميراث الى مشكلة تعانى منها كثير من النساء، واستمرار هذه المشكلة يؤدى الى إفساد العلاقة بين الأشقاء، ويزرع بينهم العداوة والبغضاء، ويؤدى الى قطع الصلات الأسرية.

فى حوار سابق سألت العالم الأزهرى الراحل الشيخ محمد الغزالى- رحمة الله- عن مشكلة حرمان المرأة من ميراثها فقال: هذا الظلم الذى تعانى منه المرأة فى القرى والمدن تحركه- للأسف- مفاهيم خاطئة لعقول يسيطر عليها الجهل والغباء حيث يعتقد كثير من الرجال أن البنت ليس لها سوى التعليم والزواج وصلة الرحم، أما أن تأخذ من ممتلكات أسرتها أرضا أو عقارات أو أموال لتضمها الى ممتلكات أسرة أو عائلة أخرى، فهذا عيب وإهانة للأسرة أو العائلة.. وهذا للأسف فكر جاهلى وثقافة عفا عليها الزمن ورفضها الإسلام الذى شرع ما يصلح أحوال الناس ويمنح الحقوق لأصحابها.
وهنا يجب أن نعترف بأن معاناة بعض النساء فى الحصول على ميراثهن يجسد واقعا مؤسفا لعقليات تحتاج الى تغيير.. فالمرأة المصرية التى اكتسبت معظم حقوقها المدنية وأصبحت عنصرا فاعلا فى المجتمع لا يجوز مصادرة حقها فى الميراث لأى سبب من الأسباب، وينبغى على كل رجل أن يبادر بمنح شقيقاته حقوقهن الشرعية قبل أن يقفن أمامه فى ساحة العدالة فى الدنيا أو الآخرة.. كما لا يجوز لأب أن يتخذ أية إجراءات تنتهى بحرمان بناته من الميراث لصالح أبنائه الذكور.
كفى ظلما للمرأة .. إعطوها حقها الشرعى يعف الله عنكم وينجيكم من عقاب لا مفر منه لو استمر هذا الظلم والقهر الذى يرفضه الشرع والقانون.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة