معاً للمستقبل
ما أحب أيام أكتوبر إلى قلوبنا..فيها انتصرنا وعبرنا من ضفة النكسة إلى مجد النصر والعزة والكرامة ..لم ييأس المصريون كعادتهم بعد نكسة عابرة في لحظة مباغتة وغادرة..ولم يستسلموا لدعاية جبارة ومغرضة اجتمعت لها أسباب القوة وواتتها ظروف دولية ساعدت على تكريس احتلال نهش قسماً لا يستهان به من أراضينا العربية.. لكن إرادة المصريين أبت إلا أن يخوضوا بجسارة وإصرار أكبر حروب الاستنزاف على مدى 6 سنوات متصلة أوهنوا خلالها الروح المعنوية لعدو غاشم متغطرس ثم لقنوه الدرس الأكبر يوم 6 أكتوبر الذي كان ولا يزال معجزة عسكرية لا تزال أصداؤها تدوي في عالم العسكرية وفنون الحروب.
هؤلاء هم المصريون ..وتلك حكمتهم التاريخية.. لم يفرطوا أبداً في حق من حقوقهم حتى ولو كان قطرة ماء واحدة تنساب بأمر ربهم منشيء السحاب ومنزل المطر ولن يسمحوا أبداً بتعطيش بلادهم ؛ فإرادتهم التي حررت مصر من دنس العدوان الإسرائيلي قادرة على تحرير النهر من أوهام البعض ..والجيل الحالي ليس أقل حرصاً على مصلحة بلده ممن سبقوه ولسوف يظل "النيل" يجري حتى يرث الله الأرض وما عليها ما دامت في عروقنا دماء وفي قلوبنا نبض وحياة.
في كل حروبها وتحدياتها عرفت مصر سياسة النفس الطويل حرباً وسلماً وتفاوضاً، بحسبانها بلداً مسالماً لا تبدأ بالعدوان لكنها لا تسمح لأي من كان بالمساس بحق من حقوقها أو العبث بمقدراتها مهما تكن التضحيات ..ولنا في حرب أكتوبر التي تحل اليوم ذكراها ال48 دروس مستفادة وعبر كثيرة ما أحوجنا لاستلهامها وابتعاث روحها الكامنة في جيناتنا لمواجهة دسائس ومؤامرات وإرهاب لا يتوقف ومواصلة مسيرة إنجازات لاحت بشائرها في حياتنا واقعاً أفضل مما كان ومستقبلا مبشراً بمزيد من الخير .
وكم كان رائعا ما كان عليه المصريون أيام أكتوبر 73 من جبهة موحدة ووطنية متقدة ووحدة للهدف ووضوح للرؤية واصطفاف خلف الوطن والقيادة وخلع كل رداء للحزبية والطائفية.
وكم كان رائعا أيام أكتوبر 73 أن تختفي من مصر كل الموبقات؛ فلا وقائع سرقة ولا جرائم سجلتها أقسام الشرطة آنذاك؛ فقد كانت الروح الوطنية في أعلى حالاتها وتركزت اهتمامات المصريين على هدف واحد وهو تحرير الأرض واستعادة الكرامة وخلت نفوسهم من نوزاع الأنانية والانتهازية و الاستهتار وشهوة المطامع وامتلأت قلوبهم بالإيمان والجدية والرغبة في التضحية لأقصى مدى كما اختفت موبقات الإهمال والفساد والتواكل.. وتلك أهم شروط أو مقومات أي نجاح وطني إن أردنا مواصلة مسيرة التقدم والانتصار والإنجازات ومحاربة كل مظاهر التخلف والتراجع لاسيما ونحن ندخل جمهورية جديدة.
في حياة الأمم والشعوب محطات فارقة وقرارات مصيرية صعبة تغير وجه الحياة وتحقق الأمجاد وتكتب الأيام التاريخية..ومنها بالطبع قرار حرب أكتوبر الذي اتخذه الرئيس الراحل أنور السادات بشجاعة، وهو ما يجب أن يسجله المؤرخون والكتّاب وصناع الدراما والسينما حتى تبقى الأجيال الجديدة موصولة بتاريخها تأخذ من رموزه وصناعه قدوة حسنة ترسم لها خطى الطريق نحو النصر والتقدم والقوة.
قد يقول قائل إن هناك أفلاماً ومسلسلات تحكي قصة انتصارات أكتوبر..وسؤالي: هل ما تم إنتاجه من أعمال فنية يوفي هذا الحدث الاستثنائي الفذ حقه ..ألسنا في حاجة لعمل كبير تتضافر لإنتاجه أجهزة ومؤسسات بميزانية ضخمة ورؤية واسعة تحكي ملابسات وتفاصيل هذا النصر العظيم وتلقي ضوءاً كثيفاً على أبطاله من جنود وضباط وقادة وإعلام نجح في تهيئة الرأي العام لخوض أخطر الحروب واجتياز أصعب الفترات.
قرار الرئيس السادات بخوض الحرب يستحق الإشادة فقد نجح في محو عار النكسة واستعادة الأرض والعرض وكتب ملحمة تاريخية لا مثيل لها في تاريخ العرب الحديث..ولم يكتف السادات بالحرب بل أعقبه بقرار السلام لاسترداد ما بقي من ترابنا الوطني تحت نير الاحتلال الإسرائيلي ..و لا يقل أهمية عنه ما قرره السيسي وقت أن كان وزيرا ً للدفاع بالانحياز لإرادة الشعب وإزاحة جماعة الإخوان عن سدة الحكم بعد عام كامل من التطاحن السياسي الذي كاد يفضي لاحتراب أهلي لولا عناية الله وثورة الشعب الذي رفض اختطاف مصر لحساب التنظيم الدولي للإخوان..فكلا القرارين في رأيي حرر الشعب والدولة من ربقة الاحتلال هناك وفاشية الإخوان هنا.
مع حلول أكتوبر تهل روائح العزة وتنتعش ذاكرة الوطن بالنصر العظيم والمجد والشرف وتتجدد مشاعر الانتماء الوطني بكل ما تحمله الكلمة من معنى..وتلك مناسبة وطنية جديرة بالحفاوة لما تبعثه في نفس كل وطني شريف من همة وحيوية وإيمان بقدرة هذا البلد على صنع التاريخ وتجاوز المحن والمخاوف..لقد انتصر المصري على نفسه قبل أن ينتصر على عدوه المتغطرس وأعوانه الذين أمدوه بكل صنوف الدعم والعتاد والمعلومات الاستخباراتية عبر أقمار صناعية كانت تنقل لقادة العدو ما يجري على الأرض من اشتباكات ومعارك لحظة بلحظة حتى حسمها المصريون في 6 ساعات أفقدوا العدو خلالها توازنه وهدموا حصونه المنيعة ولقنوه درساً لن ينساه بعد أن صار لمصر درع وسيف ورجال أشداء صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
من دروس أكتوبر أن الحق لا يضيع مهما تقادم، ولا شيء يفتّ في عضد المصريين إذا ما آمنوا بحقهم وقدرتهم وتهيأت لهم الظروف لاستعادة هذا الحق ..ونحن والحمد لله لا تنقصنا القوة ولا تعوزنا القدرة على مسايرة العصر ومواكبة تطوره مهما تكن سرعته وصعوبته..فالمصريون دائما قادرون على تطوير قدراتهم بسرعة مذهلة حتى في أحلك ساعات الشدة وأكثرها إظلاماً؛ ومن ثم فلا يساورني أدنى شك أننا منتصرون في معركة الإرهاب وفي معركة سد النهضة حفاظاً على حقوقنا المائية العادلة بعزيمة لا تلين في المطالبة بالحق الذي لن يضيع مهما طال الزمن.
ولا يفوتنا أن نسجل هنا الدور الكبير الذي نهض به إعلامنا وصحافتنا في تحقيق نصر أكتوبر العظيم ..وكيف كان هذا الدور استباقياً مارس باحترافية أدق فنون التمويه والخداع الإستراتيجي كما رسمتها القيادة السياسية قبيل الحرب لتضليل العدو ومن معه..ونجح في إنتاج خطابين متوازيين يخاطب أحدهما الجبهة الداخلية أما الآخر فيخاطب العالم الخارجي بلغة مغايرة خلقت أجواء من التكتم والمراوغة والتعتيم انطلت على أعتى أجهزة المخابرات وبينها الموساد الإسرائيلي حتى تكونت لديه ولدى غيره قناعة بأن مصر لا يمكنها الحرب حتى استرخت قوات العدو وانفتح الطريق أمام أبطالنا كي يعبروا ويكتبوا ملحمة قتالية هي معجزة عسكرية بكل المقاييس؛ معجزة توقف أمامها الخبراء طويلاً بالفحص والدرس والإعجاب واستخلاص الفوائد ..لقد كان إعلامنا في طليعة جنودنا على الأرض يشد من أزرهم ويسجل بدقة وسرعة فائقة تفاصيل المعارك ومشاهد البطولة والتضحية لحظة بلحظة ليعلم القاصي والداني كيف ضحى الرجال الذين كان معظمهم من خريجي الجامعات وقد تفوقوا وسطروا بدمائهم الزكية أروع قصص البطولة والفداء..وكان شعبنا وشرطتنا وجيشنا نموذجاً يحتذى في الشجاعة والصمود والجرأة والتحمل والإخلاص والكفاءة وعبقرية التخطيط ودقة التنفيذ وحب الأوطان.
وكان طبيعياً في سياق كهذا أن يحقق المصريون معجزة كانت ولا تزال ملء السمع والبصر ومحط الإعجاب والإكبار؛ ذلك أن جبهتنا الداخلية كانت في أحسن حالاتها تماسكاً وقوة ووعياً ورغبة في النصر، كان الجميع على قلب رجل واحد، لا خائن بينهم ولا متخاذل ولا مرجف ولا مثبط للعزائم، ولا مروج للشائعات والأكاذيب.
لم يكتف إعلامنا ببيانات القيادة العامة للجيش في حرب أكتوبر، بل تقدم المحررون العسكريون صفوف المعارك جنباً إلى جنب الجنود والضباط ينقلون الحقائق وينشرون قصص البطولة والكفاح والقتال المرير والشهادة والنصر، يبثون الحماسة في نفوس المحاربين ويلهبون مشاعر الجماهير التي تتلقف ما يكتبون وتتابع بشغف ما يكتبون ويذيعون لحظة بلحظة وتساند رجال الجبهة بلا حدود ..فنال إعلامنا احترام الجميع وسطر بأحرف من نور مصداقيته وصدق رسالته وروعة مهنيته في الذاكرة القومية واستحق كل فخر واعتزاز وإشادة.
ولمثل هذا يجب أن نعمل اليوم على جميع الجبهات,, كم نحتاج لأداء مثل هذا الدور بنفس الحماس والكفاءة كلٌ في موقعه لتحقيق انتصار حاسم على الإرهاب والإهمال والفساد، ونشر الوعي الحقيقي لدحض كل وعي زائف..ثمة معارك كثيرة تحتاج لروح أكتوبر فنحن في معركة مع الزيادة السكانية المنفلتة بلا زيادة مقابلة في الموارد وبلا تخطيط ولا تأهيل للبشر تعليماً وصحة ووعياً ..ناهيك عما يشنه أعداؤنا هنا وخارج هنا من حروب نفسية أريد بها توهين العزائم ونشر الإحباط، وصرف الشعب عن دولته التي تعيش اليوم ظروفاً ربما أقسى مما عاشته قبيل العبور العظيم.
حاجتنا كبيرة إلى إعلام قوي محترف يخاطب الداخل والخارج؛ كلاً بلغة يفهمها، ويشرح قضايا مصر العادلة وحقها التاريخي في المياه وفقاً لقانون الأنهار والاتفاقيات والمواثيق الدولية لقطع الطريق على المزايدين والمتربصين..وشحذ وعي المواطن بهموم بلده وواجباته في تلك المرحلة الفارقة..كما أننا في حاجة لأحزاب ونخبة جديدة قادرة على تحصين الوعي الشعبي ضد رياح الفتن وسيل الأكاذيب وحملات التشويه المغرضة ومجتمع مدني نشط يدعم الدولة ويكون شريكاً حقيقياً في التنمية والنجاح.
روح أكتوبر كامنة في المصريين، تحتاج لابتعاثها بمزيد من الوعي الرشيد وتحفيز الذاكرة الجماعية بدءاً بطلاب المدارس، مروراً بالجامعات، وصولاً لرجل الشارع البسيط عبر وسائل الميديا المختلفة والتواصل الاجتماعي، وهي روح ينبغي أن تعود بقوة لحاجتنا إليها أكثر من أي وقت مضى، ولا يفوتني في الختام أن أعيد التذكير بمشهد عجيب رسمه الإخوان في عامهم الذي حكموا البلاد فيه حين طاف رئيسهم باستاد القاهرة في احتفالات أكتوبر وقد دعا قتلة السادات للجلوس في مقدمة الصفوف في مهزلة تراجيدية لا مثيل لها ..فكيف يحتفل قتلة السادات بنصر صنعه السادات واتخذ قراره الخطير..لكنها جماعة الإخوان التي تضمر لمصر وشعبها شراً مستطيراً لا يخفى خطره ولا يؤمن جانبه ..حفظ الله مصر شعبها وجيشها وشرطتها ..وحفظ كل من يبني ويرفع رايتها عالية خفاقة تباهي الدنيا بأسرها.
انتصارات أكتوبر علامة بارزة وفارقة في تاريخنا بل من أعظم أيامنا التاريخية في العصر الحديث؛ الاحتفال بها واجب وطني تخليداَ لتضحيات الأبطال وتعليماً لأجيالنا الجديدة أن حب الأوطان ليس كلاماً بل أفعال تستلزم الإرادة والشجاعة ولسوف نظل نحتفل بها ما دامت فينا حياة.