من الألف إلي الياء
ألقت جائحة كورونا وتداعياتها المريرة بحجر عثرة في طريق إستراتيجية تطوير التعليم وتعظيم الإستفادة منها ، وعلي الرغم من كافة المعوقات التقنية والمستجدات الطارئة تصر أجهزة الدولة ممثلة في وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي علي مواجهة كافة التحديات والمضي قدما في تدشين ملامح التعليم العصري في مصر الجديدة.
ومع قرب انطلاق عام دراسي جديد ، وتدشين خارطة طريق لمواجهة آثار الموجة الرابعة الكوفيد العصر الذي يزداد توحشا وشراسة ، يترقب المصريون النظام المقترح لتسيير العملية التعليمية، بمختلف المراحل التعليمية.
ويأمل الجميع أن تنتظم العملية بصورتها التقليدية وحضور المعلم والطالب ،لضمان الفعالية وتغيير بيئة التعلم، وإنتظام كافة عناصر المنظومة التعليمية كمرحلة إنتقالية للتدريب علي فكرة الفصول الإفتراضية والتعليم عن بعد ، وبرامج التواصل بين المعلمين والطلاب، وبين المديرين والمعلمين وأقسام التوجيه ومديري الإدارات التعليمية المختلفة.
كما أن النظم الجديدة للتعليم "أون لاين" تتطلب توفير مناخ ملائم بعد أن كشفت التجربة ضعف مردود فكرة "الهجين" والمدرسة الإفتراضية لاعتبارات وأسباب عديدة.
واعتقد أنه من الواجب ضرورة تقييم وإعادة تقويم تجربة الثانوية الجديدة، أو النظام المستحدث للامتحانات، وسط تطلعات مفعمة بالأمل للخروج من أزمات وكابوس الثانوية العامة والقضاء علي هذا الشبح المخيف للأبد.
وأعتقد أن لدينا العديد من خبراء التربية وتطوير المناهج الأكفاء ، لوضع كافة النقاط علي الحروف ورصد إيجابيات ومسالب نظام "الأوبن بوك والبابل شيت"، وتعديل ما يلزم تعديله قبل بداية موسم الإمتحانات 2021-2022، مع التهيئة النفسية والمجتمعية في التوقيت الملائم ، تمهيدا لإقراره بصوره نهائية.
والحق يقال أن المنظومة التعليمية في مصر كانت ولا تزال، تتطلب الكثير من التطوير والتحديث المستمر بعد سنوات طويلة من الجمود والتردي، ولا يختلف اثنان علي ان حال التعليم في بلادنا لا يسر عدوا ولا حبيبا وفي حاجة لكتيبة من المنظرين المبدعين وأساتذة المناهج والتخطيط الاستراتيجي والفكر التربوي لعلاج أوجه القصور والخلل والخروج به من هذا النفق المظلم.
ومن الإنصاف الاعتراف بأخطاء الماضي فملف التعليم يزخر بالعديد من القضايا وميراث من المشكلات وتراكمات السنين التي ساهمت في تعويق مسيرة العملية التعليمية في كافة مراحلها، وضعف منتجها وحصيلتها ،ولم تف باحتياجات المهن المختلفة وسوق العمل.
وبالنظر إلي التجارب الدولية التي حققت قفزات علمية واقتصادية، وانطلقت تنمويا وعلميا كانت المحطة التعليمية هي نقطة الانطلاق والإصلاح في مسارها والتجارب لا تعد ولا تحصي شرقا وغربا سواء لدي دول الغرب المتقدمة وغيرها من دول النمور الآسيوية أو حتي لدي بعض الدول العربية ،التي بدأت تنتهج نفس المسار.
وفي هذا السياق يحسب للوزير د. طارق شوقي هذه الجرأة علي قهر المستحيل والإصرار علي إصلاح المنظومة التعليمية في كافة المراحل كثرة التحديات والمعوقات ، ونقص الإمكانيات، وتغيير نمط التعلم والتعليم بأسلوب عصري بعيدا عن فكرة الحفظ والتلقين.
كما يحسب له الإصرار علي تعديل نظام الثانوية العامة ومواجهة فوبيا الامتحانات وأباطرة الدروس الخصوصية وبيزنس التعليم وأذرع أرباب المصالح والتصدي بحزم لمعارضي كل تطوير،الذين واجهوا كل محاولات للتغيير التي طرحها وزراء التعليم السابقين، وخاضوا حروبا شرسة وقادوا حملات شعواء مدعومين بأبواق صارخة في الفضائيات اعتراضا علي أي محاولة لطرح رؤية ومنهج لإصلاح التعليم ، ومشكلاته المزمنة والمستجدة، حتي أصبحت الوزارة كعش الدبابير يخشي الاقتراب منه، وزهد فيها الكثيرون ممن يستحق نيل هذا الشرف وتلك المسئولية.
كما لم يعجب البعض أيضا ان الوزير الحالي يصر دائما علي توصيف الواقع المرير لحال التعليم في بلادنا ، رغم أن تحديد مكامن الداء هو نقطة الانطلاق والطريقة المثلي لوصف العلاج الناجع وإيجاد الحلول الحاسمة.
ويحسب للوزير المجتهد مساعيه وإدارته للعملية التعليمية بصورة تتسم بالحكمة والتعقل والتدرج في هذه الظروف الصعبة منذ بدء انتشار جائحة كورونا ومواجهة موجاتها المتتابعة، وما تبعها من مشكلات وصعوبات لإكمال العام الدراسي والوصول به لبر الأمان.
كما يحسب له رغبتة الحقيقة في ترك بصمة تاريخية علي الوزارة، وتدشين دعائم التعليم الإليكتروني الذاتي ، عبر منصات وبرامج عصرية متطورة، وتوظيف كافة استراتيجيات التعلم النشطة ، والاستفاده من التجارب الدولية العصرية والسعي الحثيث لعودة طلاب الثانوية العامة إلي قاعات الدراسة بفكر إبداعي، عماده تنمية اسلوب التفكير الابتكاري والمهارب وتوظيف ما يعرف بفكر الذكاءات المتعددة.
وأيضا يحسب للوزارة وكافة أجهزة الدولة المعنية التصدي لمراكز الدروس الخصوصية التي أصبحت بديلا خبيثا للمدرسة تثقل كاهل الأسرة المصرية في رحلة عبور وتجاوز شبح الثانوية المفزع.
وأتصور أن د.شوقي، يحمل رؤية شاملة لتطوير العملية التعليمية من كافة عناصرها "المنهج، المعلم ،الأنشطة ، واستراتيجيات تدريس ، وغيرها "، وذلك وفقا للفكر المنظومي ،ولمنطلقات علمية تستند إلي خصوصية الواقع المصري وفي إطار التوجهات المعاصرة والنظرة المتكاملة للتعليم باعتباره أهم محور لبناء الانسان وتنميته ، وإعداده علميا وفنيا ومعنويا وتربويا.
وقد كنا نعيب علي الوزراء الجمود والتقوقع خشية اقتحام المشكلات والتوجس من أباطرة مقاومة التغيير ولدغات أعشاش الدبابير!
فقط معالي الوزير نريد التدرج والمزيد من برامج تدريب المعلمين والمدراء علي كافة التوجهات والسياسات التعليمية والإدارية الجديدة، فالتغيير في بلادنا يتطلب التهيئة المجتمعية وشرح كافة الرؤي بصبر وروية وحكمة.