من الألف إلي الياء
مع وصول الثعلب العجوز "جون بايدن" لسدة الحكم الأمريكي وتوليه فعليا رئاسة مجلس إدارة العالم وعد سكان المعمورة شرقا وغربا كما وعد مواطنيه ببدء مرحلة جديدة، ومغايرة تمحو آثار وأفعال وحماقات سابقه ترامب، والتي فاقت كل التصورات.
كما توسم البعض خيرا وتفاؤلا بأن واشنطن ربما تتخلي ولو نسبيا عن سياساتها المتلونه التي تنطوي علي إزدواجية المعايير وصناعة الأزمات ،ثم تفعيل سياسة غرس الأشواك وتسميم الأجواء لكل من يخرج عن سياق مصالحها.
وقد كان الناس يعتقدون أن دونالد ترامب ربما يكون الأسوأ في قائمة حكام الولايات المتحدة الأمريكية، وكما وصف هو نفسه بلقب "الأسوء" الذي يحكم العالم ، لكنه كان صريحا في وصفه للنظام العالمي الجديد الذي تحكمه الرأسمالية القبيحة ومصالحها المتوحشة ولا مكان أو صوت فيه للضعفاء!
كما توسمت بعض الدول خيرا في جون بايدن داهية العصر الماكر ، كم تفاءل كثيرون أن بادين سيقود أمريكا ودول العالم لعصر أكثر عدلا وسلاما.
لكن الصين خرجت بعدها بقليل رافضة فرض السيطرة وإزدواجية المعايير وسياسات واشنطن التي تريد أن تسبغها علي كافة قضايا كوكب الأرض ويدور الجميع في فلك تلك السياسات.. ووصفتها بأنها ديمقراطية "الكوكولا" ذات النكهة الأمريكية.
وقد كشف جو بادين عن حقيقة سياساته المتضاربه، سريعا فهو ينحاز ظاهريا لحقوق الإنسان في أفغانستان ويساند بكل قوة دولة طالبان الجديدة ، ويغض الطرف عن أفعال وممارسات الصهاينة المتكررة من آن لآخر تجاه القضية الفلسطينية والتهرب من إقرار حل الدولتين ،ويقر حق إسرائيل في تغيير ديموجرافية وهوية القدس العربية الأصيلة.
كما تجاهل حماقات وجرائم آبي أحمد في تيجراي وأمهرة التي فاقت كل الحدود، واكتفي بمجرد خفض للمساعدات.
وفي أروقة مجلس الأمن يتحكم جون بادين ورفاقه في كل شارده ووارده وفي توجيه دفة المواقف والقرارات والبيانات ، ويسير القطيع والمؤيدون في المسار المحدد، مع التسليم بتلك السياسات العبثية المتناقضة التي تشي بدلالات وترتيبات مجهولة تنتظر مصير البشرية وعالم اليوم الواهن!.
والأمر الغريب المستهجن أنه لو عدنا بالذاكرة قليلا ، لوجدنا أن بايدن ،في تصريحاته المفعمة بالأمل والتفاؤل تعهد بعد توليه مقعد الرئاسة رسميا بتدشين مرحلة سياسية مختلفة ،من خلال استراتيجات منفحته وبدء صفحة جديدة مع العالم، تحت شعار (شراكة لا خصام).. وقلنا يومها ولا نملك إلا نقول (أفلح إن صدق)، ونحن نترقب ونتساءل ولا زلنا ..هل ينجح صاحب البيت الأبيض فيما فشل فيه سابقه ترامب، الذي ترك بصمات سوداء وصورة ذهنيه حالكة الظلمة، وهل يجروء علي تحقيق طموحات الأمريكان ،واقتحام كافة الملفات الشائكة، دوليا وعربيا، ومن بينها إيجاد المصل الشافي لكوفيد 19 كما وعد !.
مؤشرات الواقع وتداعيات الأحداث ، تؤكد أن بادين لن يختلف كثيرا عن ترامب، فالمنبع والمعين واحد،وإن تغيرت الأسماء والصور، والقناعات!!
ولا أعتقد أن جو بايدن سيكترث كثيرا بمشكلات العرب وفلسطين والقدس وبقضايا الحرية وحقوق الإنسان والانتقال الديمقراطي، فكل أوجاعنا لن تبرأ بحلول مستوردة، كما أن بايدن لن ينقلب بين عشية وضحاها ليصبح منصفا وحارسا لحمي الديار الإنسانية الجريحة.!!
وأتصور أنه لا يزال هناك فصول وسيناريوهات في مخطط إفساد الشرق الأوسط، وإخضاع دول العالم لسياسات وشنطن سواء جبرا أو إختيارا وهو ما نفذه أوباما وسابقوه، وأكمل المسيره ترامب بنشر الفوضي الخلاقة وتدمير واستنزاف ومقدرات العرب وغير العرب.
لا تنتظروا خيرا فساكني البيت الأبيض لن يتحولوا لملائكة رحمة بين عشية وضحاها ،ولا تستبشروا بعودة الحق والعدل ، فبادين هو ترامب في ثياب جديدة ، مهما اختلفت الانتماءات الشكلية بين الديمقراطيين والجمهوريين، لكن المباديء واحدة والاستراتيجيات والسياسات العمقية لا تتبدل كثيرا ، مها اختلفت وتغيرت الأسماء !!
لا تتفاءلوا ، فكل التجارب السابقة تشي بأن أمريكا شرطي العالم ليس أمينا ، رفعت شعارات الحق والعدل وحقوق الإنسان وكل الاقليات ، واقترفت بسياساتها كل التجاوزات وتسببت في وتشريد ملايين الأبرياء في العراق وسوريا واليمن وليبيا وغيرها ، وحولت الشرق الأوسط لمستنقع من الصراعات السياسية والطائفية والعرقية والإيديولوجية.
وأخيرا هل يتصور أحد أن بايدن وفريقه من الديمقراطيين وأنصاره من دول الغرب ، لديهم عصا سحرية للتعاطي مع هموم الدنيا ، الإجابة ربما ستكشف عنها الأيام.. وإنا لمنتظرون !.
وأعتقد أن الجديد الذي طرحه بادين فقط ،هو التمرد علي الحلفاء التقليدين والشريك الإستراتيجي الفاعل وهو الإتحاد الاوربي الذي بدأ في إعلان إستياءه من سياسات بادين الأخيرة وخاصة فيما يتعلق بدعم دولة طالبان وتسهيل مهمة وصولها لسدة الحكم ، والتي أصابت حلفاءه بالدهشة وبدات تخرج أصوات في الإتحاد الأوربي تطالب بالانفصال عن الوصاية الأمريكية وإعادة النظر في تشكيل حزب الناتو، والتفكير في إعادة تقييم العلاقات الإستراتيجية مع واشنطن.
وقد أحدثت صفقة الأخيرة، وتراجع إستراليا عن شراء الغواصات الفرنسية توترا وشرخا في جدار علاقات واشنطن وباريس، ووصفت فرنسا تصرف أمريكا بأنه خيانه، وقامت باستدعاء سفيرها لدي واشنطن، رغم محاولات واشنطن تجاوز الخطأ ورأب الصدع وشرح وجهة النظر الأمريكية.
هذا علاوة علي فضيحة التجسس علي كبار الساسة ورؤساء الدول بالإتحاد الأوربي والتي تورطت فيها أجهزة إستخبارات الولايات المتحدة بمعاونة دول أوربية عبر كابلات الإنترنت التي تمر بأرأضيها !!
إن مستقبل التوتر مع أوروبا، سيكون له حسابات عديدة، مع إستمرار ضجر الغرب والعديد من دول العالم من ضباببة مسارات السياسة الأمريكية وملامح إستراتيجتها المستقبلية، ولا أعتقد ان فكر الهيمنة الأمريكية سيتبدل بين فينة وأخري ،فلن ترضي عن منطق السيطرة وفرض بصمتها علي كافة الأصعدة.. حتي إشعار آخر.