النفس الإنسانية عجيبة العجائب، عالم وحدها موازٍ لهذا العالم العجيب، الذي تتنوع فيه كل أشكال الوجود، وتتزاحم فيه آلاف المخلوقات تصنع كل منها حياة مستقلة خاصة بها، حياة معقدة ومركبة إلى حد يدهش أهل الفكر والرأي.
وعجائب النفس الإنسانية وحدها، بحجم هذا الكون بكل ما فيه من عجائب، وتدبر معي متأملا قول الله جل وعلا: "ونفسٍ وما سواها"
إنَّ المتأمل يدرك مدى ما تحويه العبارة من تعظيم للنفس الإنسانية، وما تحمله من عجائب لا نهائية، تهلك الدارس والمتأمل فيها.
ولعل كتاب "بنات الليل" للصجفي والكاتب المفكر الكبير الأستاذ "محمد شمروخ" يلقي الضوء على عجائب هذه النفس، من خلال التطواف في عالم الليل، الظاهر والخفي، وفي تلك النفوس التي تمردت على الحياة، وتمردت عليها الحياة.
ومن خلال عمله كصحفي حوادث بجريدة الأهرام العريقة، سيق إلى هذا العالم الغريب عليه، وهو الصعيدي الذي نشأ في بيئة لا تتصور وجود هذه الحوادث وهذه الشخصيات ولا حتى في عالم الخيال، ولا أعرف كيف استقبلته الدهشة في أيامه الأولى وهو يصطدم بهذه الأحداث والتي أعرف كيف يستقبلها أمثالنا من أبناء الريف، من لم يطلعوا على هذه الأشكال الصاخبة المتمردة غاية التمرد!.
ولأنه كاتب مثقف عقادي كبير، موسوعي الثقافة، وأديب يعرف كيف يروض الخيال، ويسوق الأفكار إلى حيث يريد، لذلك كانت نظرته إلى الأحداث نظرة الفيلسوف وعَالِم النفس، ساقها في شكل قصصي أدبي، يلقي الضوء بحرفية على مواطن العجب في هذه النفوس الإنسانية التي تحمل كل أضداد الحياة، وتجمع بينها بصورة لا يتخيلها عقل، فبينما تعيش الحياة في أشد أشكالها صخبًا، وتمردًا على الأخلاق، وعلى عادات الناس وتقاليدهم، غير عابئة بلوم ولا عتاب، إذا بهذه النفوس نفسها تصنع علاقة عجيبة بينها وبين الله، وتظهر من ألوان الخير بنفس القدر الذي تظهره من ألوان الشر.
يشير الكاتب إلى هذه الأفكار دون أن يتكلم بشكل مباشر عنها، بل يحكي ويسرد في خفة مواطن تستدعي منك التأمل والتفكير في الحالة، ويجعل الدهشة تقوم بدور الفيلسوف وعالم النفس، دون أن يحمل القارئ عبء وثقل الاستماع إليهما.
ورغم أنَّ عنوان الكتاب "بنات الليل، من أجندة صحفي حوادث" إلا أنَّ الكاتب تجاوز الليل كمسرح لأحداثه، فطاف في النهار أيضا يكشف عوالمه الخفية، وطاف أيضا في عالم الرجال الذين لهم نصيب وافر يتقاسمونه مع النساء من هذا العالم.
إنَّ هذا الكتاب الذي كُتب بعبقرية أديب موسوعي الفكر والثقافة، هو وليمة خصبة لعلماء النفس والاجتماع، ودعوة تفرض نفسها للاهتمام به كمادة خصبة تفسر هذه النفس الإنسانية العجيبة، وتكشف طلاسمها.