رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله:

بعض قصص العقوق تحمل آلاما نفسية لا تحتمل، وتحتاج الى دراسات نفسية لهؤلاء الأبناء الذين تورطوا جريمة العقوق، لأن ما نسمعه ونقرأه عن بشاعة سلوك هؤلاء الذين ابتلاهم الله بهذه الخسة يدمى القلوب، ويؤذى المشاعر، ويؤكد أن هناك خللا نفسيا واجتماعيا وأخلاقيا يعانى منه بعض الأبناء يجب أن نقف علي أسبابه ونبحث عن وسائل المواجهة الصحيحة له.

منذ أيام سمعت من أم مسنة عبر قناة فضائية قصة إبنها الذى تجرد من كل المشاعر الإنسانية وطردها من المنزل إرضاء لزوجته وذهبت الأم لتقيم مع إبنتها المتزوجة وبعد أيام تضرر منها زوج الإبنة.. ولما شعرت بجفوته فى التعامل معها تركت منزله وذهبت لتقيم مع أبناء عمومتها الذين رحبوا بها وأكرموها.. وهذه قصة تتكرر كثيرا فى حياتنا للأسف بتفاصيل مختلفة رغم العقاب الإلهى الرادع الذى ينتظر كل إبن عاق يلحق الأذى بأبويه ويتعامل معهما بقسوة وجفوة.

والواقع أن استمرار وجود هذه القصص المؤلمة لا يرجع سببه الى قصور فى التوعية الدينية بقدر ما يعود الى قصور فى التربية الأخلاقية فى كثير من البيوت التى تربى الأبناء فيها بعيدا عن قيم وتعاليم الدين وبعيدا عن الرعاية الأسرية الصحيحة ففقدوا السلوك القويم وتربوا على معاملة الآباء بقسوة وأصبح لديهم الاستعداد للتضحية بالآباء والإخوة فى أية لحظة وقصة الشاب المنحرف الذى قتل أخته المسكينة الشقيانة بائعة السمك طعنا بالسكين أمام أطفالها ليستحوذ على حصيلة شقاها ليصرفه على ملذاته والتى وقعت منذ أيام فى إحدى قرى البحيرة مجرد نموذج من هذا الإجرام الأسرى الذى يؤلمنا بتفاصيله كل يوم.

**

نعود لقصة الأم ضحية عقوق إبنها الذى طردها من منزله إرضاء لزوجته لنؤكد أن تعاليم الدين تفرض على كل إبن أن يكون بارا بأبويه، وأن يحسن العشرة مع زوجته، فالإبن ليس مضطرا للتضحية بإحداهما إرضاء للأخري، وهو لو كان منصفا وتربى تربية أخلاقية جيدة لن يكون مضطرا لذلك يوما ما، مهما ظنت زوجته على أسماعه واستعانت بشياطين الجن والإنس لينحرف عن طريق الحق والعدل ويهدر قيمة دينية وأخلاقية عظيمة وهى البر بالوالدين، ولا يمكن أن تكون إحداهما بديلا للأخري، فالبر بالوالدين وصية الخالق للأبناء وليس هناك أدل على ذلك من قوله سبحانه:" ووصينا الإنسان بوالديه حسنا" وهذه أعظم وصية للخالق حتى لا يقع الإنسان فى إثم عظيم يعادل إثم الشرك بالله.. كما أن إحسان العشرة مع الزوجة من ألزم ما يجب على الزوج تجاه زوجته وتجاه أولاده استجابة لقول الحق سبحانه:"وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا"، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خياركم خياركم لنسائهم".

وهنا لا يجوز لرجل أن يدعى أنه حائر بين أمه وزوجته، فهذه العبارة تخفى خلفها شخصا غير سوي وغير عادل، عديم الشخصية، لا يعرف واجباته تجاه أمه وتجاه زوجته، فالإنسان السوى لا يمكن أن يسير وراء أهواء زوجته ويستمع لإدعاءات ظالمة ضد أمه، وهو أيضا ليس مطلوبا منه أن يرضى أمه على حساب زوجته، بل يعطى كل واحدة منهما حقها، وينصف كل منهما عندما يستدعى الانصاف ذلك ويكون دائما حمامة سلام بين أمه وزوجته.

الإنسان السوى لا ينبغى أن يسمح بأى اشتباك بين أمه وزوجته، كما أنه ليس مطالبا لا شرعا ولا عرفا بالانحياز لإحداهما على حساب الأخرى، فلو أخطأت الأم فى حق الزوجة وتأكد الإبن من ذلك يراجعها بلطف وود بعيدا عن الزوجة، ولو أخطأت الزوجة فى حق الأم يراجعها ويردعها إذا لزم الأمر.

الأم لا ينبغى أن تكون عبئا ثقيلا على إبنها فهو الملزم شرعا وعرفا برعايتها والانفاق عليها إذا لم يكن معها مال.. كما أن الزوجة لا ينبغى أن تكون ضحية لأهواء والديه، والزوجة لا ذنب لها إن كرهتها أسرة الزوج، بل الذنب ذنبه؛ لأنه إنسان ضعيف الشخصية والإرادة، ولم يستطع من البداية فض الاشتباك بين زوجته وأسرته، ووضع إطار للتعامل يقوم على الاحترام المتبادل بين الطرفين.. فالزوجة لها حقوق يجب على الزوج الوفاء بها ولا يجوز التفريط فى بعض منها إرضاء لأى أحد.. والوالدان أيضا لهما حقوق وهو حق البر والإحسان وهذا البر وذاك الإحسان لا ينبغى أن تقف الزوجة فى طريقه، ولو فعلت واستجاب الزوج لأصبح مفتقدا لأبسط ما يتمتع به الرجال.

**

والسؤال الذى يفرض نفسها هنا: ماذا يفعل الإبن لو تأزمت العلاقة بين أسرته وزوجته وهل يجوز له أن يضحى بزوجته إرضاء لوالديه؟

علماء الدين الثقات أكدوا أنه لا يجوز شرعا أن يقوم زوج بتطليق "زوجته الصالحة" إرضاء لأبويه، كما لا ينبغى أن يسعى أب أو تسعى أم الى ذلك مهما كانت شدة نفورهما أو عدم رضاهما عن زوجة إبنهما، ذلك أن مصلحة الأسرة مقدمة على المصلحة الشخصية لأى طرف من أطراف الأسرة، وحماية مصلحة الأسرة والحفاظ عليها يدخل في نطاق الواجبات الشرعية، وليس إحسان العشرة أمرا اختياريا للزوج، حين يكره هو أو والديه زوجته يؤذيها، وحين يحبها يحسن إليها، فالأمر ليس كذلك، لأن البيوت لا تبنى على الرغبات والنزوات المتقلبة، فالإسلام لم يكن في يوم من الأيام يربط الأسر بالأمزجة المتقلبة أبدا، بل ينحيها جانبا ويأمر بتحمل المسئولية؛ فالزوج مسئول عن أسرته أمام الله عز وجل عما استرعاه حفظ أم ضيع، وتوجيهات الإسلام بحسن معاملة الزوجة"إن أحبها أكرمها وإن كرهها لم يظلمها" لا تقل أهمية فى ميزان الشريعة الإسلامية عن الإحسان للوالدين والبر بهما.

فى حوار سابق سألت العالم الأزهرى د.أحمد عمر هاشم: ما موقف الشرع من الإبن الذى يستجيب لأهواء زوجته ويسيىء لوالديه نتيجة شكواها؟

قال: هذا إبن عاق وعقابه عند الله شديد، فبر الوالدين مقدم على الإحسان للزوجة، ولذلك أشفق على الأبناء الذين يعقون آبائهم وأمهاتهم استجابة لأهواء زوجاتهم.

ويضيف: لا ينبغى لرجل أن يضعف أمام زوجته ويتعامل مع أمه أو أبيه وفق هواها.. وعقوق الأبناء للوالدين استجابة لأهواء الزوجات دليل على اختفاء خلق الرحمة والبر من حياتنا الاجتماعية مع اختفاء تعاليم الإسلام، وكما أنه لا يجوز للأب أو الأم أن يتسببا فى تعكير صفو حياة إبنهما استجابة لمشاعر غضب غير مبرر من زوجته، لا يجوز للزوج أن يطرد أمه من المنزل، فهذا عقوق يحاسب عليه أمام الله عز وجل ولابد أن يراجع من يفعل ذلك نفسه بسرعة وأن يتوب عن هذه الجريمة بالإحسان الى أمه والوفاء بحقوقها وابرزها حقها فى البر والمعاملة الكريمة.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة