لوجه الله:
صدق الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ ساعات على القانون رقم 145 لسنة 2021 بإنشاء "صندوق الوقف الخيري" الذي يستهدف تفعيل واستثمار أموال الوقف لتحقيق المزيد من الرعاية للفقراء، ودعم المؤسسات العلمية والثقافية والصحية والاجتماعية.. إلى جانب المساهمة في المشروعات الخدمية التى تنفذها الدولة لرعاية الفقراء ومحدودى الدخل .
والواقع أن الوقف هو أحد أبرز وجوه الخير التى ابتكرتها الحضارة الإسلامية، وكان له دور كبير فى حياة المسلمين فى مختلف العصور، كما كان له دور بارز فى حياة المصريين خاصة.. ولذلك خصصت له وزارة لا يزال وزيرها يحمل صفة الوقف ولا يحمل صفة الشئون الإسلامية رغم أن معظم نشاطه يرتبط بالدعوة والدعاة وإدارة المساجد ورعايتها، وذلك تقديرا لدور ورسالة الوقف فى حياتنا المصرية.
يجب أن نعترف بأن واقع الوقف الخيرى في العديد من البلدان الإسلامية يعاني ضعفا شديدا أدى الى تراجع دوره، بسبب ضعف الوعى بأهمية هذا المورد الحيوى من موارد الخير، وضعف الثقة فى إدارة أموال الوقف، وضياع بعض أعيان الوقف للاعتداء عليها من ذوى النفوس الضعيفة.. وما نأمله فى إدارة الصندوق الجديد أن تتعامل مع هذا الأمور بما يحقق الطمأنينة للجميع، لتتدفق من جديد موارد جيدة للصندوق تكون مصدر خير لكل أصحاب الحاجات وتشارك بدور واضح فى تنمية المجتمعات الريفية مع زيادة الأصول الوقفية خلال السنوات القادمة.
**
كلنا ثقة بأن عطاء المصريين الخيرى سيتضاعف من خلال هذا الصندوق الجديد، وإذا كانت موارد الزكوات المتجددة، والصدقات التطوعية تخفف المعاناة عن فقراء وأصحاب حاجات، فإن موارد الوقف الخيرى ستكون إضافة قوية تترجم الحس الدينى والعاطفة الخيرية المتدفقة للمصريين، والتى ينبغى استغلالها وتوجيهها التوجيه الصحيح من خلال صندوق الوقف الخيرى الذى ستنضبط أعماله بضوابط الشرع، ويوفر الثقة للجميع لإحياء فضيلة الوقف الخيرى من جديد كما كان يفعل أسلافنا من الأخيار الذين وقفوا أموالهم وممتلكاتهم أو بعضها لصالح الفقراء وأصحاب الحاجات.. وما زال عطاء أوقافهم يؤدى أهدافه حتى الآن.
الوعى الدينى الصحيح يقودنا الى مضاعفة العطاء الخيرى، وواجب علماء ودعاة الإسلام أن يوضحوا للناس أن الإسلام ألزم الغنى تقديم العون لأصحاب الحاجات من خلال فريضة الزكاة، وحث القادر على أن يضاعف عطاءه فيضيف الى الزكاة المفروضة الصدقات التطوعية، ومنها الوقف الخيرى، فهو عطاء يكشف عن نفوس سوية تدرك معنى الحياة وتعلم جيدا أن المال مال الله وأن الإنسان مجرد مستخلف عليه، وأن اكتناز الأغنياء لما حباهم الله به من أموال وخيرات لن يحقق لهم أية منفعة دنيوية، وأن تقديم بعض هذا المال لمن يحتاج إليه ليعيش حياة كريمة هو قمة العطاء الإنسانى، وهذا السلوك الإنسانى الأخلاقى يؤدى إلى التماسك بين أفراد المجتمع، ونشر المحبة والمودة بينهم، فاللَّه سبحانه مالك المال ورزاق العباد به، وهو الذى يجزى المتصدقين خيرا فى الدنيا والآخرة، حيث يقول سبحانه:" ... وما أنفقتم من شي فهو يخلفه وهو خير الرازقين"، ويقول عز وجل:"... وما تنفقوا من خير فلأنفسكم"، وقد جاء فى الحديث القدسى "يا ابن آدم أنفق أنفق عليك" وهذا الوفاء والجزاء لا يكون بالمثل بل يضاعف بفضل اللَّه وكرمه فيقول سبحانه: " إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم".
**
ولذلك، نتطلع الى أن يحقق الصندوق الجديد الطموحات المنتظرة منه فى الاستثمار الأمثل لأموال الوقف وتنميتها، وتعظيم الاستفادة منها خاصة وأن قيمة إيرادات هيئة الأوقاف المصرية التراكمية قد تجاوزت مبلغ التريليون و546 مليار جنيه حتى العام المالي 2019/ 2020، في حين أن العائد من استثمار هذه الأموال ما زال متواضعا ولا يلبى الطموحات المتوقعة.
نتطلع أن يكون للقانون الجديد دور واضح وبارز فى تفعيل ثقافة الوقف فى حياتنا المعاصرة خاصة بعد انصراف كثير من أهل الخير عنه ليس فى مصر وحدها ولكن فى العديد من البلاد الإسلامية لأسباب أوضحها علماء الشريعة وأساتذة الاقتصاد الإسلامى الذين ينبغى أن تستمع إدارة الصندوق إليهم وتستفيد بما يقدمون من أفكار، كما أن هناك أبحاثا ودراسات عديدة عن وسائل تفعيل واستعادة دور الوقف ينبغى أن تكون أيضا تحت نظر القائمين على هذا الصندوق الجديد.
لقد نص قانون الصندوق على أن فى مقدمة أهدافه "تشجيع نظام الوقف الخيري" وهذا التشجيع- كما قال العلماء وأساتذة الاقتصاد- يحتاج الى توفير كل عوامل الثقة والشفافية فى إدارة أموال الوقف، وحسن استثمارها والاستفادة منها وفق الضوابط والقواعد الشرعية، وفى مقدمتها الوقوف عند شروط الواقفين، بمعنى الانفاق على المجالات التى حددوها وهذه المجالات فيها متسع لتشمل كل وجوه البر فى المجتمع، ولا تقتصر على فئة أو فئات محددة، ومن يطلع على شروط الواقفين يجد روائع الانفاق الخيرى حتى أن بعض الواقفين خصصوا بعض عوائد أوقافهم لتعويض ما يتلفه الخدم فى البيوت، ولتقديم أطعمة للكلاب والحيوانات التى تفتقد لمن يطعمها ويرعاها.
***
من بين أفضل من كتبوا عن الوقف الخيرى ووسائل تنشيطه وتفعيله فى حياتنا المعاصرة المفكر الاقتصادى د. محمد عبد الحليم عمر أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر- الذى رحل عن حياتنا منذ شهور- حيث أكد ضرورة تفعيل هذا المورد المهم من موارد الخير بعد أن أحجم عنه الكثيرون.. وشدد على ضرورة وجود هيكل تنظيمي لإدارة الوقف في صورة إدارة عليا، وتنفيذية متخصصة في نوع الاستثمار الذي يستهدفه الوقف، وطالب بأن يكون للحكومات دور في مراقبة عملية إدارة الوقف دون القيام بهذه المهمة، مع العلم أن إدارة الوقف تبدأ من الواقف الذي يمنح المال للوقف، ومن حقه وضع الشروط التي يراها لإدارة الوقف من تحديد الغرض أو جهة الصرف.
ومن خلال ثقافته الشرعية الواسعة لم يجد د.عمر حرجا فى إنشاء صناديق وقفية للانفاق على المشروعات الخيرية ومنها المستشفيات التى تعالج الفقراء شرط أن تكون هذه الصناديق تحت رقابة صارمة.. واعتقد أن ما طالب به أستاذ الاقتصاد الاسلامى الشهير – رحمه الله- قد تحقق فى قانون الوقف الخيرى الجديد وننتظر التنفيذ الدقيق والمحكم لما نص عليه لتعود الثقة من جديد فى هذا المورد المهم من موارد الخير والعطاء فى مصر.