لوجه الله
لا يزال بعض الهواة وغير المؤهلين علميا وفكريا يتحدثون فى الدين دون علم، ودون وعى، ودون استعداد علمى ونفسى لهذه المهمة الكبيرة، وتلك المسئولية العظيمة، وكل بضاعتهم مجموعة آيات قرآنية وأحاديث نبوية وابتسامه ولبس كاجوال ثم لقب "داعية" يطلقه عليه بعض محترفى التسويق والتلميع الإعلامى.
الترحيب بهؤلاء دائما فى الفضائيات يتم تحت شعار كبير وبراق وهو "تجديد الخطاب الدينى" والمصيبة الكبرى أن كثيرا من هؤلاء لا يدركون المعنى الحقيقى للتجديد ومعايشة الخطاب الدينى للعصر، ولذلك يرددون أحاديث نبوية ضعيفة، ويفسرون نصوص القرآن تفسيرا خاطئا، ونحن لا نشكك فى نواياهم فقد يحمل معظمهم نوايا حسنة، ولكن النوايا وحدها لا تكفى لكى يخرج إنسان غير مؤهل ليقول للناس "هذا حلال وهذا حرام".
مشكلة هؤلاء الدعاة "الهواة" أنهم لا يدركون أن الشعب المصرى شعب متدين بالفطرة، شعب صادق في تدينه، وان الدين يمثل في حياته قيمة كبيرة يجب الحفاظ عليها، وأن ظهور وقوع بعض شبابنا فريسة لأباطيل المتطرفين والتكفيريين لا تشكك ابدا في صدق تدين هذا الشعب ورغبته الجادة في التعرف علي حقائق دينه وتعاليم شريعته بدون تطرف أو تشدد وغلو.. فدين الله يسر لا عسر، وهو ليس في حاجة إلي هذا العبث الذي حاول البعض نشره بين الناس باسم تجديد الدين وتطويره.
تجديد الخطاب الدينى لن يتم أبدا على يد هواة يملكون الكلام الحلو، ولا يملكون العلم الصحيح، وإذا كنا نطالب العلماء والدعاة الذين تأهلوا علميا جيدا أن يطورا خطابهم ويتقنوا فنون توصيل علمهم للجماهير، فهذا لا يعنى أن نقر ما يردده الدعاة الهواة من أحاديث دينية ينقصها العلم الصحيح حتى ولو كانوا يتقنون فنون مخاطبة الجماهير والتأثير فيهم، فليس ضروريا أن تجيد الكلام فقط لكى تكون داعية عصرى.. كما أن التجديد الدينى له مقوماته وأدواته وهى مقومات علمية وفكرية قبل أن تكون "مقومات خطابية".
****
يجب أن يدرك الجميع أن الدين علم وفكر وثقافة وثوابت ومتغيرات، وكل من ليس لديه الإلمام الكافى بذلك لا يصلح أن يكون داعية، كما أن الدين سلوك وأخلاق وإذا لم يكن الداعية من أصحاب السمعة الطيبة وتتجسد فى سلوكه أخلاق الإسلام فلا يجوز أن يحمل لقب داعية، ولا يجوز أن يعطى الفرصة فى أية وسيلة إعلامية لكى يقول للناس هذا حلال وهذا حرام.. لأن الحس الدينى الصادق للجماهير المصرية يرفض ويدين هذا التناقض، ولذلك امتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعى سخرية من أحد هؤلاء الدعاة الذى اشتهر بزيجاته المتكررة من الوسط الفنى حيث لا يمر عام إلا وهو يطلق واحده ويتزوج من أخرى، ومقاصد الزواج فى الإسلام والتى تستهدف الاستقرار وتكوين أسرة لا تقر سلوك هذا الداعية، ولعن رسول الله لكل رجل مزواج يطلق ويتزوج من أجل الاستمتاع فقط واضح وشهير حيث يقول عليه الصلاة والسلام:"إن الله تعالى لا يحب الذواقين ولا الذواقات"، أى لا يحب الرجل ولا المرأة اللذان يتزوجان ليتذوق كل منهما الآخر وبعد أن يحصل كل منهما على لذاته يطلقان ليخوضا التجربة مع آخر.
الدين سلوك وأخلاق قبل أن يكون خطبا إنشائية وكلمات معسولة لا يصدقها فعل وسلوك حقيقى بين الناس.. لذلك لا يمكن أن تثق الجماهير المصرية فى كلام شخص يحمل لقب داعية وهو لا يلتزم بتعاليم الإسلام فى حياته العامة التى تنقل كثير من تفاصيلها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى
الداعية الحق هو الداعية القدوة فى سلوكه وأخلاقه، هو الداعية الذى تتجسد فى حياته العامة والخاصة تعاليم الإسلام الصحيحة، هو الذى يفعل ما ينصح الناس به ويرشدهم إليه.
****
نعود الى الشعار الكبير الذى يطلقه هؤلاء لاقناع الجماهير بما يرددون وهو "تجديد الخطاب الدينى" لنؤكد أن ما يقوم به هؤلاء الدعاة الهواة ليس هو المطلوب والمستهدف من التجديد والتطوير والتحديث للخطاب الدينى حيث اختلطت معاني التجديد بأفكار التحريف والتزوير في أذهان البعض.. فتحول التجديد علي أياديهم ومن خلال ثقافتهم الدينية المتواضعة إلي تبديد مرفوض ومدان.
بعيدا عن سياسات الاقصاء يجب ان تكون هناك وقفة مع هؤلاء الذين يمتلكون قنوات فضائية أو وسائل إعلامية، وييسرون للعناصر الضالة والشاردة فرصة التطاول علي الدين والتشكيك فيه؛ في الوقت الذي تبرر الجماعات التكفيرية التي تنتهج العنف والتخريب في كل أرجاء عالمنا العربي جرائمها بالدفاع عن الاسلام والتصدي لهؤلاء الجهلة الذين يتطاولون عليه ويشككون فيه.
يجب علي كل مؤسسات الدولة ان تنصف العلماء المخلصين الذين يتصدون للدفاع عن الدين كما يجب الا ينساق مسئول أيا كان موقعه أو مركزه وراء اتهامات باطلة ودعاوي كاذبة يوجهها البعض للعلماء والدعاة دون أدلة وبراهين.. فهؤلاء الذين يعملون في ساحة الدعوة والدفاع عن الدين يواجهون مصاعب وتحديات كثيرة وواجب كل مؤسسات الدولة الوقوف إلي جانبهم وتقديم كل مساعدة حقيقية لهم.
يجب علي الاعلاميين المصريين ان يحكموا حسهم الديني والوطني قبل التسرع بتوجيه اتهامات لداعية أو عالم، وأن يتوقفوا عن ترديد معلومات مشوهة عنهم حتي لايصيبوا العلماء بجهالاتهم فيكون مصيرهم الندم يوم لا ينفع الندم.
يجب ان يتوقف الزملاء الصحفيون عن الكلام في أمور الدين دون علم ويجب ان يتركوا أمر تجديد الدين وتطوير خطابه للمتخصصين الذين يعرفون كيفية يكون التطوير وكيف يكون التجديد.؟
واجب الصحفي أو الاعلامي ان يتحدث بصراحة ووضوح ومسئولية عن الأزمة الفكرية والثقافية والسلوكية التي نعيشها في بلادنا العربية نتيجة تداول المفاهيم الخاطئة عن الدين.. لكن ليس مطلوبا منه ان يتحول إلي داعية يعظ الناس أو إلي فقيه يفتي ويقول (هذا حلال وهذا حرام).
رحم الله سلف امتنا الذين قال بعضهم "لا تأخذوا العلم من صحفي" والصحفي عندهم هو كل من قرأ كتابا أو بعض الكتب وتوهم انه أصبح عالما يقول في دين الله ما شاء