لحظة تمرد :
نعانى في مصر منذ سنوات من فوضى الألقاب والبداية كانت بعد هوجة الانفتاح الاقتصادى عام 1975 ، لم يعد الاقتصاد وحده هو "السداح مداح " على حد تعبير الكاتب الكبير احمد بهاء الدين ولكن الانفتاح جعل أشياء كثيرةهي أيضا سداح مداح في مقدمتها منظومة القيم ومن مظاهرها انتشار العشوائية وفوضى الألقاب حتى وصلت للدرجات العلمية واخرها ما يطلق عليه الدكتوراة الفخرية او سفير النواية الحسنة وسيادة المستشار والاستشارى والباشا والباشمهندز التي تطلق الان على السباك والسائق !!
والسؤال هل هذه الألقاب تمثل ازمة في منظومة القيم والتطابقية الاجتماعية ام تعبر عن الاستهانة بكل لقب وقيمة حتى ولو كانت علميا او وظيفية ،فقد وصل الامر الى ان واحدا ممن كانوا من أسباب انتشار البلطجة في المجتمع بسبب اعماله الفنية حصل على الدكتوراة الفخرية مؤخرا وقيل فيها انه " أستاذ التمثيل والغناء وحصل عليها لجهوده فى اثراء الفن العربى وخدمة المجتمع!!
وتأتى الكارثة الأكبر فى قوله بعد سحبها منه :" انا معاى فلوس مش تشترى مثل هذه الشهادة بل تعمل جامعة تمنح مثل هذه الشهادة "!!..يعنى فلوسه اهم من اللقب وقادرة على شراء الكيان الذى يمنحه .
نعم كانت الألقاب في الماضى تباع أحيانا ، لكنها كانت في النهاية القابا اجتماعية او حتى سياسية ولم تكن علمية مثل الدكتوراه والماجستير التي تباع الان على رصيف "النت " من كل مكان ..
ومن المفارقات التاريخية انه في مثل هذه الأيام من نحو 70 عاما ( 4 سبتمبر 1952 ) قرر مجلس الوزراء الذى كان يرأسه على باشا ماهر الغاء الألقاب المدنية في مصر ، والطريف ان مجلس الوزراء في هذه الجلسة كان معظمهم من حملة الألقاب التي تم الغائها .. كان الهدف واضحا بعد الغاء الملكية وإعلان الجمهورية ، وهو الرغبة في احداث ثورة اجتماعية وان يكون الجميع سواسية ، يعنى لم يكن الهدف هو الألقاب العلمية التي يحصل عليها الشخص بمجهوده ولكن الهدف كان الألقاب التي وصل الحال الى شراءها من الملك وحاشيته ..واصبح لقب "حضرة المحترم"، في المكاتبات الرسمية هو البديل عن "أفندي وبك وباشا".
ولم تكن الألقاب المدنية هي الوحيدة التي لم تعجب ثوار يوليو ، بل تدخلوا في الرتب والألقاب الخاصة بضباط الجيش والشرطة وهي رتب اليوزباشي والصاغ والقائمقام والبكباشي والأميرالاي، وجعلوها في أسماء أخرى فأصبحت "ملازم أول ونقيب ورائد ومقدم وعقيد وعميد".
وبعد إلغاء الألقاب، وطوال فترة الستينيات، أصبحت كلمة "سيادتك" على لسان كل المواطنين في مصر ابتداء من السيد رئيس الجمهورية إلى أي مواطن عادي.
ويقال ان الألقاب دخلت مصر الحديثة بعد نجاح محمد علي باشا في الاستقلال عن الدولة العثمانية، وحصول خلفائه على حق منح كبار رجال الدولة الألقاب التي كان ينعم بها السلطان العثماني على خلصائه.
والحكاية الشهيرة بدأت بشراء الخديو إسماعيل نفسه للقب الخديوى من السلطان العثمانى بمبلغ باهظ جدا وذكر البعض انه وصل الى 32 ألفا من الجنيهات الذهبية للحصول على"الخديوية " لأن لقب والي مصر لم يكن ليرضي الطموح السياسي الكبير لإسماعيل الذى يقال انه بدأ عمليات شراء الألقاب وبعدها بدأ تداولها في البورصة الملكية بالبيع والشراء حتى قيام ثورة يوليو .
وتعددت الألقاب من أفندي ويحصل عليه من يصل في التعليم إلى الشهادة الثانوية ( البكالوويا ) و يكمل تعليمه الجامعي. و "بك" ويحصل عليه كبار أفراد الطبقة الوسطى من كبار الموظفين في الدولة.، أما أفراد النخبة الاجتماعية والسياسية فكانوا يحصلون على لقب باشا...وإلى جانب هذه الألقاب الثلاثة الرئيسية، كانت هناك مجموعة من الألقاب التي يحصل عليها كبار السياسيين مثل “صاحب الدولة وصاحب المعالي وصاحب السعادة وصاحبة العصمة وصاحب المقام الرفيع”.
وكان صاحب كل لقب من يرتب لصاحبه نفوذا وسلطة داخل الدولة ا، إلى جانب النفوذ والسلطة لثرائه أو لموقعه السياسي. وظهرت الكارثة بانتشار ظاهرة شراء الألقاب بالمال من خلال الرشاوي التي يقدمها الأثرياء إلى الملك مقابل الإنعام عليه بهذا اللقب أو ذاك.
ولم تكن الألقاب حكرا على الرجال بل كان للسيدات نصيبا أيضا وموازيا له من صاحبة العظمة وهو لقب يمنح للسلطان والسلطانة وصاحب أو صاحبة الجلالة لقب خاص بملك وملكة البلاد ..وصاحب أو صاحبة السمو الملكى وهو لقب يمنح لابناء وبنات واخوات الملك ، و امير أواميرة وهو لقب يمنح لافراد الاسرة المالكة...والوجيهويطلق على ابناء الاميرات ممن تزوجن برجال من خارج الاسرة العلوية و النبيل أو النبيلة وهو لقب يمنح لمن سحب من لقب الاماره من ابناء الاسرة العلوية.
اما صاحب الدولة فهو لقب رئيس الوزراءوصاحب المقام الرفيع وهو الحاصل على الوشاح الاكبر لمحمد على و حضرة صاحب المعالى وهو الحاصل على قلاده فؤاد الأول وصاحبة العصمة و يلقب به الاميرات اللاتى حصلن على وسام الكمال من الملك وقد حصلت عليه ام كلثوم من الملك فاروق ...اما الباشا فهو صاحب السعادة والبك هو صاحب العزه..
وإلغاء الألقاب لم يعن الغاء الاحترام بين الناس ويظهر ذلك جليا في الأفلام السينمائية أيام الأبيض واسود ،
كان ثمة حرص على أن يقال للرجل (يا سيد فلان) وللسيدة (مدام فلانة) وللفتاة (آنسة فلانة أو مدموزيل)، أو أستاذ (على المثقف أو المعلم الفئات ذات المستوى التعليمي المرتفع).
وعودة الألقاب منذ انفتاح 1975 لم يكن إعادة لاحترام مفقود بل كانت بعشوائية وبشكل غير رسمي ، فقد استحوذ على الباشوية والبكوية، بعض الأغنياء الجدد فى مرحلة الانفتاح وكونوا ثروات كبيرة واستكملوا مظاهر الثروة بالوجاهة الاجتماعية بهذا اللقب او ذاك خاصة أن معظمهم كان ينتمي لطبقات شعبية بسيطة لم تعرف لها الألقاب طريقا أبدا...واستمرت فوضى الألقاب حتى أطلق على السباكين والسائقين لقب "الباشمهندز" وعلى الحلاقين لقب "الدكتور" !.
ومع مطلع التسعينيات ظهر لقب "رجل الأعمال" الذي يعطي لصاحبه مكانة متميزة في أي مكان يوجد فيه ، ولم يعد محصورا على الاثريا ء بل وصل الى أصحاب محلات البقاله و الأدوات الصحية و الخردوات بل بعض النصابين ومحترفي التهريب من الجمارك... .
وعندما وجد بعض رجال الاعمال الكبار ان اللفظ اصبح " بيئة " بدأوا يخترعون القابا أخرى مثل : "رجل الصناعة" و"رجل التجارة" و "رجل المال والأعمال".
أما في الشارع فصار استخدام لقب "باشا" أمرًا عاديًا لا تستهجنه الأذن،.. فهذا الباشا ربما يكون من الحرفيين أو صاحب مقهى أو جزارا أو واحدا من بسطاء الناس وفقرائهم ، فالحصول على اللقب في الشارع لا يستلزم مرسوما ملكيا او حتى دفع فلوس !!
ويطلق لقب الاعلامى والكاتب الصحفى الان على كل من له صفحة على الفيس بوك او لاعب كرة او فنانا قدم برنامجا ولو تافها!!
وأخيرا لم يقف اللقب على الرجل فقط بل نافسته المراة الان ، واصبح لقب "الهانم" لا ينافسه نسائياً لقب آخر. فالرجال ربما يقال لهم (يا بيه) إشارة إلى لقب "البك" الذي هو أدنى في السلم الطبقي من الباشا لكن "الهانم" لقب مفرد لا يوجد غيره لتعظيم النساء من بنات البيوتات قديما ،و يطلق الآن في الشارع على معظم السيدات مثلما يقال للبسطاء(يا باشا).