رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلي الياء

يبدو أن علاقة الإنسان مع الطبيعة لكشف أسرارها وثرواتها ، قد تجاوز مرحلة السباق وصراع الفرسان ، وبدأ الحصاد المر للإفساد في الأرض وللخصومة الحادة مع الطبيعة السوية والنظام البيئي الكوني البديع.

ومن جديد تصرخ منظمات الأمم المتحدة المعنية بالمحافظة علي البيئة الإنسانية محذرة من مغبة الإهمال والتهاون في هذا الملف الحيوي ،وضرورة وقف ماكينات التصنيع الهادرة، والإستخدام المتزايد للوقود الأحفوري وتدارك آثاره المدمرة وتداعياته المشهوده علي زيادة معدلات الإحتباس الحراري والتغيرات المناخية المتسارعة.

ويبدو أن البشرية في حاجة ماسة لهدنة أو ميثاق شرف بيئي ولقوانين دولية أكثر صرامة لإنقاذ هذا التعدي الصارخ علي البيئة الطبيعية والسيطرة علي عوادم الصناعة، والمضي قدما في تفعيل إستراتيجيات التحول الأخضر،والإستغناء التدريجي عن الوقود الأحفوري وإستبداله بالطاقة النظيفة والمتجددة.

وأيضا ربما تضمن تلك التعهدات وقف هذا الإستنزاف الصارخ للموارد الذي أخل بمنظومة التوازن الطبيعي وتسبب في تصاعد كميات ضخمة من الغازات السامة كأول وثاني أكسيد الكربون والميثان وغيرها ، مما تسبب في تفاقم ظاهرة الإحتباس الحراري.

ولم تعد القضية مجرد تكهنات أو توقعات فالحصاد المر يشهده الناس يوميا في مختلف بقاع المعمورة شرقا وغربا، فيضانات عارمة ، وأمطارا غزيرة ببعض المناطق، وجفافا مدقعا في بعض المناطق وحرائق في الغابات ، وطقسا متقلبا وتباينات غريبة في أحزمة المطر ، وأيضا هطول أمطار حمضية نتيجة تزايد الأنشطة والعوادم الصناعية والكيميائية،وغيرها.

ومن جديد تعالت صيحات التحذير من ارتفاع جديد بدرجة حراراة الأرض بمعدل قد يزيد بمعدل 1,5 درجة خلال عشر سنوات مع تنامي معدلات ذوبان الجليد، وارتفاع الأمواج مما يهدد المدن والشواطيء الساحلية بالغرق والدمار.

لقد أصبحت وأضحت وأمست الأزمة البيئية جريمة مكتملة الأركان والعناصر ، المتهم الأول فيها هو إنسان العصر الغافل، وقضية مصيرية جماعية تتعلق بمستقبل نجاة سكان كوكب الأرض جميعا، الكبار من دول الأول، والصغار من المغلوبين علي أمرهم من دول العالم المتأخر، أو الساعي للنمو والتقدم.

ومن ثم لابد أن تتحمل الدول الكبري مسئوليتها باعتبارها المتسبب الأول في كافة الظواهر البيئية المستجدة، وأن يتم تفعيل توصيات ومقترحات المؤتمرات الدولية والقمم الأممية المتعقلة بالمناخ والتنمية المستدامة والإقتصاد الأخضر، والتي بدأت مبكرا اعتبارا من النصف الثاني من القرن العشرين وأشهرها قمة استكهولهم بالسويد عام 1972 نحو عالم واحد، ومؤتمر قمة الأرض بريو دي جانيرو بالبرازيل عام 1992، وما تبعها من عشرات المؤتمرات والإتفاقيات الدولية حول المناخ والطاقة المتجددة والتحول الأخضر.

والأمر المحزن في هذه القضية المتشابكة أن الدول الكبري تتعامل مع قضايا المناخ والبيئة كما تتعامل مع كافة القضايا السياسية والمشكلات الأخري ، بمنطق المصلحة والنفعية ، وأحيانا الإستعلاء وإنكار هذه الجريمة المخزية ، رغبة في إستمرار عجلة التصنيع المتزايدة لضمان التفوق الحضاري والمنافسة والمناطحة المستدامة لفتح أسواق جديدة.

ومما يزيد المشهد ضبابية وتعقيدا أن معظم الدول الصناعية الكبري تسهم في جرائم بيئية لها صور متعددة، كالتخلص من النفايات الخطرة بدول أخري بطرق مباشرة ومستترة كتوريد المنتجات الإليكترونية المستعملة، كالشاشات وأجهزة الإتصالات لدول العالم الثالث، وبأسعار رخيصة ، وأيضا هناك إتجاه لنقل المصانع الكبري التي تنتج الماركات العالمية وتعمل بالوقود التقليدي لدول متأخرة بعيدا عن العواصم الدولية الكبري، تجنبا لأضرارها ومشكلاتها البيئية.

وعلي الجانب الآخر تتحرك الدول الساعية للنمو ببطء شديد في هذا الملف، وتقترف بدراية وقصد وأحيانا بجهالة حماقات عديدة في حق البيئة ،باستنزاف الموارد والإسراف في تصدير المواد الخام والرعي الجائر والتخلص من الغطاء النباتي والغابات وقتل بعض أنواع الحيوانات للإستفاده من جلودها وقرونها، والإعتماد بصفة أساسية علي المنتجات البترولية التقليدية، وإهمال إنشاء مشروعات جديدة للطاقة الجديدة والمستدامة، بما يخل بحق الأجيال القادمة في الحياة، وفي الثروات الطبيعية.

وتبقي الحقيقة المرة أن هناك تقصيرا كبيرا وتهاونا وتخاذلا أمميا وفسادا له صور عديدة تجاه قضايا صيانة البيئة الإنسانية وحمايتها ،وأن المعضلة البيئية تتطلب تكاتفا أمميا وحشدا دوليا لمواجهة آثارها وتداعياتها المدمرة، قبل فوات الأوان!!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة