لوجه الله
لا خلاف على أن الإعلام بكل وسائله وأدواته مطالب فى كل وقت بنقل كل ما يشغل القارىء أو المشاهد أو المتابع عبر مواقع التواصل الاجتماعى فى ظل الالتزام بالضوابط المهنية والأخلاقية التى تلزم كافة وسائل الإعلام بأداء رسالتها دون تجاوز أو عدوان على حقوق الآخرين وخصوصياتهم.
وجنائز المشاهير من سياسيين وفنانين ورياضيين ورجال أعمال وغيرهم تحظى باهتمام خاص من الجماهير المتابعة لكل وسائل الإعلام، وكما تتطلع الجماهير لمعرفة كل شىء عن هؤلاء المشاهير خلال حياتهم، تتطلع أيضا لمعرفة تفاصيل رحيلهم وقصص معاناتهم مع المرض قبل رحيلهم، كما تتطلع لمشاهدة لحظات وداعهم الأخيرة.. ونقل كل هذا بأمانة وصدق لا حرج فيه وهو جزء من رسالة الإعلام.. لكن الحرج كل الحرج يأتى من تجاوز وفضول بعض الشباب الذى يعمل فى مواقع الكترونية أو هؤلاء المنشغلين بالبث المباشر لهذه الجنائز ولأنهم يتطلعون لنسب مشاهدة علية يبحثون عن تفاصيل ومواقف ولحظات خاصة لصور الميت وأسرته والمقربين منه خاصة لو كانوا من المشاهير، وهنا يحدث المحظور والمرفوض مهنيا وإنسانيا، حيث لا يجوز أن نقتحم خصوصيات أهل الميت ومطاردتهم ومزاحمتهم بحثا عن لقطة أو مشهد إنسانى يظهر حالة ضعفهم وانهيارهم أمام حدث جلل فى حياتهم وهو فراق عزيز عليهم.
***
ما حدث فى جنائز بعض المشاهير الذين ودعناهم خلال الأسابيع الماضية يحتاج بالتأكيد الى وقفة من المؤسسات الإعلامية والنقابات المهنية لوقف التجاوزات التى شاهدناها من البعض عبر مواقع التواصل الاجتماعى لكى يظل الإعلام يؤدى رسالته الإعلامية والإنسانية برقى وتحضر وبعيدا عن التجاوزات التى شاهدنا بعضها خاصة من شباب قليل الخبرة بالعمل الإعلامى، حيث يخرج هؤلاء بهواتفهم المحمولة وكاميراتهم يبحثون عن كل ما غريب وغير مألوف وأحيانا منفر ليطاردوا الجماهير به عبر مواقع التواصل الاجتماعى التى تزخر حاليا بكل ما هو شاذ وغريب ومسيىء للمجتمع المصرى.
نعود الى متابعة مشاهد الجنائز لنؤكد أن التغطية المنضبطة بالضوابط المهنية مطلوبة لأن جنائز المشاهير ولحظات وداعهم الأخيرة من الأمور التى يتطلع لمشاهدتها الجماهير.. لكن ينبغى أن تظل تغطية مشاهد الجنائز منضبطة بالضوابط الأخلاقية، فلا نقتحم أماكن محظور التصوير فيها مثل القبور، ولا نطارد أهل الميت بحثا عن مشهد إنسانى مؤثر يكشف عن ضعفهم وانهيار حالاتهم النفسية، كما لا ينبغى أن نضايقهم بمحاولة الحصول على تصريحاتهم منهم وقت وداع أعز الناس عليهم.
ما فعله- للأسف- بعض الهواة فى جنازة الفنانة الراحلة دلال عبدالعزيز منذ أيام ومن قبلها جنازة زوجها الفنان سمير غانم منذ أسابيع كان أمرا غريبا، فقد حاول بعض الشباب المنشغلين بالبث المباشر دخول المدفن ونقل تفاصيل ما يحدث بداخله، وهو أمر غريب وشاذ وغير مهنى وغير أخلاقى أن يسعى أحد هواة البث المباشر- وكلهم من غير الاعلاميين المهنيين- لنقل بث مباشر من داخل القبر ويصور الميت وهو فى كفنه لحظة وضعه فى مدفنه كما حاول أحدهم أن يفعل لحظة دفن الفنان الراحل سمير غانم.. فهذا الأمر كما قال علماء الإسلام محظور شرعا، كما أنه مرفوض إنسانيا، ولا يجوز السماح به بأى حال من الأحوال.
**
علينا أن نلتزم بتعاليم ديننا التى لم تترك لنا أمرا إلا ونظمته وضبطته بضوابط أخلاقية، واتباع الجنازة والصلاة علي الميت وحضور دفنه من الأمور الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال:( حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس ).
والإنسان الذى ينال الأجر والثواب على المشاركة فى جنازة ليس بالطبع الإنسان الفضولى الذى يذهب لمتابعة جنازة بحثا عن لقطة يحقق بها مكسبا ماديا، وليس هو الذى يذهب لكى تنقل الكاميرات صورته وسط المشاهير، وليس هو الذى يذهب لمجرد تأدية الواجب حتى لا يلومه أحد.. بل من ينال أجر المشاركة فى الجنائز هو الإنسان الذى يذهب الى الجنازة ليستذكر مصيبة الموت، وليتعظ ويتفكر في هذا الحدث الجلل وتلك النهاية التى تنتظر كل إنسان، وأن حاله إن عاجلا أو آجلا سيصير إلى مثل ما صار إليه الميت، وهذا التذكر يدفع الإنسان إلى محاسبة النفس والنظر والتفكر في أحواله، فإن كان محسنا إزداد إحسانا، وإن كان مسيئا رجع وثاب إلى الرشد، وهذا التفكر والاتعاظ مقصود من حضور الجنائز فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(عودوا المرضى واتبعوا الجنائز تذكّركم الآخرة )..وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا اتبع جنازة أكثر الصمت، ورؤي عليه الكآبة وأكثر حديث النفس )، وله شاهد صحيح، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فانتهينا إلى القبر فجلس كأن على رؤوسنا الطير ).. أيضا من آداب المشاركة فى جنازة الدعاء للميت فى سكون وطمأنينة، ومن دعاء النبى صلى الله عليه وسلم على الميت:( اللهم اغفر له وارحمه، وعافه وأعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر – أو من عذاب النار ) وقد أثر هذا الدعاء فى الصحابة الذين رافقوه صلى الله عليه وسلم أمام قبر أحد الموتى حتى قال أحدهم: ( حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت).
فأين هذا من حالات الهرج والمرج التى نراها فى الجنائز الآن.
للآسف.. الآن نشاهد فى الجنائز من يتسامرون ويضحكون ولا تبدو عليهم علامات الحزن والأسى على رحيل الميت.. بل نقرأ ونشاهد ونسمع عن حكايات وقصص أهل الفن الذين يخرجون من الجنائز ويخلعون ملابسهم السوداء ليرتدوا ملابس السهرات ويذهبوا ليرقصوا فى الحفلات والأفراح.. وهذا سلوك يدل على اضطراب الشخصية ويؤكد عدم خروج هؤلاء من الجنائز التى شاركوا فيها بأى عبرة أو عظة.
إدركوا أيها السادة أن الحياة مجرد رحلة وأن الجميع راحلون لا محالة طال عمرهم أو قصر "فاعتبروا يا أولى الألباب" وعودوا الى رشدكم تستقر نفوسكم وترتاح ضمائركم وتتحسن صوركم فى عيون الناس.