كلام بحب
تسير عقارب الساعة السكانية كالبرق .. وتدور بلا توقف .. ومع كل دقيقة وثانية تعلن عن زيادة معدلات الإنجاب .. وكأنها تدق جرس إنذار للتنبيه على وجود خطورة على المستقبل .. وعلى الجميع أن يستيقظوا ويتحركوا سريعاً لضبط مؤشرات هذه الساعة .. قبل ضياع جهود البناء والتنمية التى تقوم بها الدولة ولا يقوم الشعب بجنى ثمار تضحياته فى سبيل الإصلاح
الاقتصادي !!
دقت الساعة السكانية يوم 5 يوليو 2021 لتعلن وصول عدد المصريين بالداخل إلى 102 مليون نسمة بمعدل زيـادة 152 فـرداً كل ساعة واستقبال مولود كل 24 ثانية !!
كانت نفس الساعة قد أشارت إلى بلوغ عدد السكان 100 مليون لأول مرة فى 11 فبراير 2020 بعد أن كانت 99 مليوناً فى يوليو 2019 ثم وصل العدد إلى 101 مليون فى 3 أكتوبر 2020.. وإذا حللنا هذه الأرقام فإن زيادة مليون مواطن من يوليو 19 إلى فبراير 20 قد استغرق 6 أشهر و25 يوماً.. أما المليون الأول بعد المائة فاستغرق أقل قلي ًلا من 8 شهور والوصول إلى 102 مليون تم خلال 275 يوماً أى 9 شهور و5 أيام مما يعنى انه رغم الأزمات فإن هناك تقدماً إيجابياً ولو بنسبة بسيطة .. وذلك نتيجة جهود الدولة إلى جانب ارتفاع وعى المواطنين .. صحيح أننا نحتاج إلى عمل أكبر ولكن المؤشرات تدل على إننا نسير على الطريق الصحيح .. وان كان المشوار لايزال طويلاً !!
.. ولأن « الانفجار السكاني » أصبح قضية أمـة فى خطر فيجب ألا يعلو عليها صوت فى التخطيط .. وان يتم وضع استراتيجية للسيطرة عليه .. ولابد من أن يشعر جميع المواطنين بأنهم شركاء فى المواجهة فعلى الأسـرة المصرية العبء الأكبر فى ضبط الزيادة .. وهذا يستدعى تدعيم الثقة بين الحكومة والمواطن واتباع أسلوب المصارحة والمكاشفة فى شرح المشكلة وأبعادها وحجمها وتأثيرها على مستقبل الأسرة وكل مواطن.. وأن الخدمات المقدمة بالتأكيد لن تكون على المستوى المأمول إذا استمرت معدلات زيادة الإنجاب !!
بالطبع لا يريد أحد إيقاف الساعة السكانية نهائياً.. ولكن المطلوب أن يتم ضبطها.. لتشير عقاربها إلى معدلات زيـادة لا تأكل كل إنجازات البناء والتنمية التى تقوم بها الدولة .. وتسمح للمواطن بالاستمتاع بما يتم تشييده من مساكن وطرق ومواصلات ومدارس وجـامـعـات ومستشفيات.. وتجعل حــزم الضمان الاجتماعى التى تستهدف حياة كريمة ومستوى معيشيا آدميا لا تذهب هباء فى الهواء.. وتعطى للأم فرصة للحفاظ على صحتها.. وتحافظ للأطفال على حقوقهم وضمان غد أفضل لهم وللوطن !!
*****
عقد لتنظيم الأسرة !!
يحتاج الأمــر إلـى الاستعانة بـالإعـلام والمؤسسات الدينية «الجامع والكنيسة» وبقادة الــرأى فى كل مجتمع والذين هم فى كثير من الأحيان أكبر تأثيراً مـن المسئولين .. ولا مانع مـن الاسـتـفـادة مـن نجوم المجتمع لزيادة الوعى سواء من الفنانين أو الرياضيين والسياسيين .. إلـى جانب المتطوعين مـن الشباب والفتيات من المؤثرين فى قراهم ونجوعهم وخطباء المساجد وقساوسة الكنائس .. فالقضية عامة ولابد من مشاركة الجميع .. وليت الحكومة تعلن عن عقد كامل يتم خلاله السيطرة على الـزيـادة السكانية وتنظيم الأسرة يبدأ من عام 2022 لمدة 10 سنوات .. وقد لا نحتاج إذا نجحت الجهود والتزم الجميع إلى تكرار ذلك .. ويمكن لكل أسرة أن تزيد عدد أًطفالها بعد ذلك كما فعلت الصين التى حددت طفلا واحداً لكل أسرة فى عام 1979 وبعد 37 عاماً من الانضباط الشعبى سمحت بإنجاب طفلين عام 2016 .. ثم مؤخراً منذ شهرين سمحت للأزواج بإنجاب 3 أطفال .
أعتقد أن أسلوب الإجــراءات العقابية وفرض الأمر بالقانون لا يصلح للشعب المصرى والأفضل منه اتباع حزم تحفيزية للملتزمين .. مع تكثيف جرعات التوعية.. على أن يتزامن عقد «تنظيم الأسـرة» مع عقد «لمحو الأمية» لأن الجهل مع الفقر هما أسـاس المشكلة .. ومن العار أن يظل حوالى ربع الشعب ُأمياً وتحت خط الفقر .. صحيح ان الزيادة السكانية مسئولة عن جزءمن ذلك !!
هناك أيضا موروثات ثقافية وعادات وتقاليد يعتقد البعض انها من الدين وهى بعيدة تماماً عن تعاليم كل الأديان .
بالتأكيد يوجد خطأ شائع عند بسطاء الناس لا يفصل بين تحديد النسل وتنظيم الأســـرة .. مع ان الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهـر السابق أصـدر فى عام 1959 فتوى تؤكد أن تنظيم الأسرة لا يجافى الطبيعة ولا تمنعه الشريعة الإسلامية.. بينما أكد علماء أجلاء ان زيادة السكان إلى أبعد مدى هو المخطط التقليدى للإسلام فى التوالد .. ولكن هذا لا يمنع وجود مخطط آخر لضبط الزيادة السكانية عندما يزيد خطرها على مستقبل التنمية فى البلاد أو على قدرة الأسرة على تنشئة جيل صالح .
*****
دور الأسرة.. والدولة !!
المشكلة السكانية لها طرفان أساسيان هما الأسرة والــدولــة .. بخلاف عناصر أخــرى مؤثرة كالثقافة والبيئة والإعـــلام والمؤسسات الدينية والتعليمية والجمعيات الأهلية .. ولن يكون هناك حل جذرى لها إلا بتضافر كافة الجهود وتكاتف الجميع لأنها مسئولية المجتمع بكل فئاته وطوائفه ومنظماته وأجهزته
ومؤسساته .
الدور الأهم يقع على الأسرة باعتبار ان الزوجين هما المسئولان عن زيادة النسل .. فقرار الإنجاب بيدهما مع أفراد العائلتين .. وتتحكم العادات والتقاليد والموروثات الشعبية فى جزء كبير من تصرفات الأزواج والعائلات خاصة فى القري .. ولا يختلف فى ذلك قرى بحرى عن الصعيد.. فإنجاب الأبناء يعتبر «عزوة» وأحياناً يكون هو المقياس للرجولة والمرتكز الأول فى الحكم على صلاحية المرأة كزوجة وأم وأنثي !!
لابد من تأهيل الشباب قبل الــزواج .. وزيـادة وعيهم بالمسئولية تجاه أسرتهم وتجاه المجتمع والـدولـة .. وبعيداً عن أن كثرة الإنجاب يرهق الأم ويضر بصحتها وبصحة الأبناء .. فإن المشكلة الأكبر فى زيادة النسل داخــل الأســـرة الـواحـدة هـى كيفية تربية الأطفال ورعايتهم وتوفير لقمة العيش والملبس والعلاج المناسب لهم ثم تعليمهم .. ومع الإيمان بان الله هو الرزاق وانه لا ينسى خلقه .. فليس من المعقول أن ينجب الآبـــاء أطفالهم ليعذبوهم أو يتركوهم للإهمال والتسول أو على أقل الفروض لا يستطيعون أن يوفروا لهم أساسيات الحياة !!
الطرف الثانى فى المعادلة السكانية وهو الدولة التى بدأت مؤخراً فى الانتباه للمشكلة بشكل جدي .. حيث إنه للأسف طوال عقود لم تنجح سياسات الحكومات المتعاقبة فى الحد من الـزيـادة السكانية سـوى فى فترات قليلة هبط فيها معدل الزيادة .. ربما ككان ذلك أيام تكثيف حملات «انظر حولك».. ولكنها رغم نجاحها نسبياً إلا أنها لم تكن كافية لإيقاف «الانشطار السكاني» الذى انفجر فى وجه المجتمع حتى وصل التعداد إلى 102 مليون نسمة !!
تقوم الدولة الآن بدور كبير للحد من الزيادة بوضع برامج تساعد على تنظيم الأسرة وتيسير وصولها إلى السيدات والرجال فى القرى والنجوع .. و حالياً يتم التفكير فى اتخاذ إجـراءات تحفيزية ومنح مميزات للأسر الملتزمة بتنظيم النسل والاكتفاء بطفلين وحرمان من يرفض ذلك من المميزات .. كما انها فى نفس الوقت «وهـذا هو الأهـم» تضع الخطط للاستفادة من تلك
الثروة البشرية الموجودة بالفعل وتأهيلهم وتدريبهم وتوظيفهم بأفضل الطرق حيث تتحول الزيادة السكانية وقتها - اذا تسلح البشر بالعلم والمعرفة - الى نعمة وليست نقمة ويساهمون بشكل فعال فى المشروعات القومية التنموية !!