رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الوضع في أفغانستان اشبه بلعبة الدومينو ، في كل يوم تسقط محافظة او ولاية في ايد حركة طالبان، وهي تقترب كل ساعة وكل دقيقة من احكام سيطرتها على كل البلاد، وكان الزمن يعود الي ما قبل 11 سبتمبر 2001 ، حينما كانت الحركة تحكم قبضتها على أفغانستان ، ولا اعرف هل الانسحاب الأمريكي تم بزعم انها لا ترغب في بقاء قواتها تحارب الى الابد في هناك، ام انها قبلة الحياة لمركز الإسلام السياسي والجهادى الذى يترنح منذ الثورة المصرية في 30 يونيو 2013 التي ازاحت الاخوان من حكم مصر.

لا شك أن الانسحاب الأمريكي من افغانستان يشكل تحدياً كبيراً لدول الجوار، فهذا الانسحاب يأتي بعد عشرين عاماً وسيؤدي إلى فراغ أمني وسياسي لطالما كانت دول الجوار مستفيدة منه،وعلى الدول أن تملأ هذا الفراغ آخذين بعين الاعتبار أن احتمالية تقدم حركة طالبان سينتج عنها حرب أهلية.

وفي الحقيقة فان القوى الإقليمية عاجزة عن احتواء هذا الأمر، إلا إذا سلموا بأن طالبان هي القوى الأكثر فاعلية في أفغانستان للعودة إلى ما قبل 2001، ومن هذه الدول المتأثرة إيران وطاجيكستان واوزبكستان وباكستان والهند وأيضاً روسيا والصين فالكل متضرر بدرجات مختلفة.

وحركة طالبان خلال السنوات المقبلة لن يكون على أجندتها سوى كيفية النجاح في التمدد والسيطرة والتوسع أكثر داخلياً، فالاهتمام سينصب على إثبات حكمها وإظهار جديتها في السلطة والحكم وإدارة البلاد وتعزيز علاقتها مع دول الجوار.

طالبان سيطرت حتى كتابة هذه السطورعلى أغلب المناطق الأفغانية، وهي تتطلع إلى المزيد، وستكون الحركة سياسياً حريصة بأن لا تدخل في أي صدام مع أي دولة أو التدخل في شؤون الدول المجاورة وغيرها.

الرئيس الأمريكي جو بايدن، قال، ان "القوات الأمريكية ستنتهي من المهمة العسكرية في أطول حرب للولايات المتحدة بحلول 31 أغسطس. وإن الولايات المتحدة ذهبت إلى أفغانستان لمنع هجوم إرهابي آخر بحجم مآسي 11 سبتمبر/ 2001 ، وأنجز الجيش هذه المهمة. لقد حققنا هذه الأهداف، ولهذا السبب ذهبنا. لم نذهب إلى أفغانستان لبناء دولة، ومن حق الشعب الأفغاني وحده ومسؤوليته أن يقرر مستقبله وكيف يريد أن يدير بلاده." هكذا تحدث بايدن ،نسي او تناسي الهدف الأساسي وهو ارساء الديمقراطية في هذا البلد.

الأحداث المتسارعة في أفغانستان ستعيد شبح تنظيم القاعدة، في الوقت الذى تسعي أميركا الخلاص من لعنة الحروب الطويلة، والمكوث بجنودها على أراضٍ قامت مجتمعاتها على الاحتراب والتناحر، والاتفاقية الموقعة في الدوحة قدمت لها مرادها، الانسحاب والضمانات بعدم الاستهداف، ولم تقدم بالمقابل شيئاً لا لأفغانستان ولا بطبيعة الحال للحكومة الأفغانية التي كانت في مقعد المتفرج.

اليوم توشك القوات الأميركية على الخروج الكامل، تاركة وراءها طالبان في قمة صعودها، وحكومة أفغانية تقاوم عودة الحركة للهيمنة، وتحاول صد هجماتها على المراكز الأمنية والولايات خصوصاً في الشمال والشمال الشرقي. الكل مرتعب؛ إيران تحث الأقلية الشيعية في أفغانستان على توحيد موقفها وجهودها مع الحكومة الأفغانية، وروسيا تخشى، كما كانت قبل سقوط الاتحاد السوفياتي، من الجماعة السنية المتطرفة واختراقها لدول أواسط آسيا، والهند ترى في طالبان عمقاً استراتيجياً لباكستان، والصين التي تحاذيها في هلال شرقي تتخوف من جبهة مزعزعة.

باختصار: الولايات المتحدة عاقبت الجميع بالخروج. تركت المنطقة لمصيرها. حتى إيران التي كانت تعبث في مستقبل الأفغان، وتتدخل تارة باحتضان قيادات من طالبان وتارة أخرى بشق صفوفها تجد نفسها في ورطة، في حال استكملت الحركة سيطرتها على الدولة، واحتلت العاصمة كابل. لذلك تسارع اليوم باحتضان مفاوضات سياسية بين قيادات من الحركة ومن الحكومة الأفغانية، للتوصل إلى صيغة مرضية لحكومة توافقية.

السيناريوهات المطروحة متعددة، أسوأها اشتعال حرب أهلية بين الحكومة وطالبان مع تنظيم الدولة في خراسان، وعودة تنظيم القاعدة المسلح لتهديد العالم من جديد. لكن أيضاً لا تخلو الصفحة من فرص كبيرة لطالبان تحقق فيها ما أرادته دائماً وهو سلطة الحكم. كل الظروف في صالح طالبان إلا عاملاً واحداً وهو عدم قبولها في المجتمع الدولي، وهذه مسألة يمكن تسويتها بالمشاركة السياسية في الحكومة، خصوصاً أن اتفاقها مع واشنطن يعطيها رمزية الكيان السياسي والاعتراف الضمني بتأثيرها على الساحة الأفغانية. قيادات طالبان تريد التفاوض من موقف القوة بعد احتلالهم للأقاليم وربما العاصمة، وتفرض شروطها حول آلية الحكم والانتخابات والدستور، وهو ما تخشاه الحكومة الأفغانية وترفضه، إلا أنه من الصعب الحكم قبل استيفاء كل فرص التفاوض سواء برعاية دولية أم من إحدى الدول المهتمة مثل إيران أو تركيا.

الحظوة الكبيرة التي تملكها الحركة هي قوتها القتالية على الأرض، وحضورها الشعبي كذلك، وهذا ما سيمنحها موقفاً تفاوضياً صلباً. بإمكانها اختيار الطريق الأول، الحرب الأهلية وحرب العصابات والكهوف، والتبشير بعودة الرعب، أو بإمكانها اختيار أروقة المؤسسات الحكومية والقبول الدولي، هذا يعتمد على مدى براغماتية قياداتها ودراستهم للظروف الحالية وفهمهم للمتغيرات التي يأتي على رأسها انعدام العدو الغربي، أي الولايات المتحدة من المشهد، وبالتالي غياب العقيدة القتالية ضد العدو الأجنبي، وهذا عامل معنوي مهم كانت تتكئ عليه.

الحكومة الأفغانية بدورها لا تملك خيارات كثيرة، فالدول الغربية سحبت يديها تماماً من أفغانستان، وتركت الحكومة تصارع الواقع الذي يبدو أنها تفقد السيطرة عليه. لكنها تملك الاعتراف الدولي، وهو في الحقيقة ليس أمراً مهماً في الوقت الحالي نظراً للفارق الكبير في توازن القوى على الأرض أمام قوة الحركة.

أفغانستان كان أمامها فرصة كبيرة لأن تستقر وتصبح دولة قابلة للحياة بعد عقود من الصراعات الدموية، وتحقق الاستقرار في جغرافيا حساسة أشبه بصمام أمان.. أما الآن فهى في مهب رياح لا يعرف احد اين سيكون مستقرها.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة