رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

تعيش الأمة الإسلامية هذه الأيام إطلالة عام هجري جديد ، فخلال سويعات نودع عامًا هجريًا ، ونستقبل عاماً جديدًا ، وللعمر طرفان : طرف من قبل المولد ، والآخر من قبل الأجل ، أي طرف بداية و طرف نهاية ، وكلما مر من عمر المرء عام ابتعد عن نقطة بدايته ، واقترب من نقطه نهايته .
قال أبو الدرداء : يا بن آدم إنما أنت أيام ، كلما مضى منك يوم مضى بعضك .
إن مرور العام دليل على فناء هذه الدار ، و على انقضاء الأعمار ، و على أنه لا يبقى أحد إلا الواحد القهار ، فإذا انقضى العام ، علينا أن نحزن على انقضائه لأننا لا نعلم هذا العام أرضينا بما قدمناه لديننا ، أم لم نقترب فيه إلى الله .
إن الفَطِن يعلم أن أنفاسه محدودة ، وأيامه معدودة ، ولعل من المواسم التي ينبغي للإنسان أن يغتنمها شهر الله المحرم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل " .
إن باستهلال شهر الله المحرم نسترجع ذكرى الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة ، البلدين الطاهرين ، فهما أشرف بلاد الله ، وأجل بقاع الأرض ، فمكة مهبط الوحي ومنبع الدين ، وقبلة المسلمين ، أما المدينة فهي قلعة الإيمان ، وحصنه الحصين ، ومأوى الإسلام والمسلمين .
لقد عززت الهجرة مكانة القيم الإنسانية ، ورسخت أسس التعايش والتسامح ، وجعلها الله نصرًا لدينه ، ورفعًا لراية الإسلام ، وخلدها رب العزة في كتابه الكريم قال تعالى : " إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " .
و كان صلى الله عليه وسلم نموذجًا في هجرته من خلال الأخذ بالأسباب والتخطيط المدروس ، وأتم في المدينة المنورة بناء صرح القيم والأخلاق وجعل التعاون سمة بارزة حتى غدا مجتمع المدينة في تعاونه وتلاحمه كالبنيان يسد بعضه بعضًا .
إن الهجرة ليست مجرد ذكرى ، إنها حياة نعيشها ، فهي لم تكن تغيير موقف ، بل كانت تغيير موقع من مكة إلى المدينة ، أما الموقف فلم يتغير حيث إنه الدعوة إلى الفطرة وتوحيد الله ، كما أنها لم تكن رحلة عادية ، فقد كانت رحلة لصياغة الهدف في أجمل صورة ، وأبهى حلله ، وعلينا ألا ننهار أمام المفاجآت الصعبة ، والمحن والشدائد كما حدث في الغار، فهنا يظهر معدن الإنسان ، فمهما تكن الشدائد يجب علينا الاستعانة بالله ولا نعجز .
وختامًا أقول : إن الهجرة النبوية معين لا ينضب ، فأصل الهجرة هجران الشر ، والبعد عنه ، وجلب الخير ومحبته فهذا من حميد الأخلاق .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة