لوجه الله
رغم أن حالات العنف الأسرى التى فجعنا بها خلال الأسابيع الأخيرة حالات فردية وشاذة وغريبة على طبيعة المجتمع المصرى؛ فلا ينبغى أن تمر مرور الكرام على مراكز أبحاثنا النفسية والاجتماعية والجنائية لتحليلها، وبيان أسبابها وطرق مواجهتها.. فنحن مجتمع آمن أسريا واجتماعيا ويجب تفعيل طرق مواجهة الخلافات الزوجية لكى تجنب المجتمع تداعيات العنف سواء أكان من جانب الزوج أو الزوجة.
العلاقات الأسرية فى مصر- رغم ما فيها من خلافات ومشاجرات بين بعض الأزواج والزوجات كأى مجتمع عربى- يجب أن تظل محكومة بالتعاليم والتوجيهات الدينية، والعادات والتقاليد الاجتماعية الراسخة، كما ينبغى استعادة دور أهل الخير (حكم من أهله وحكم من أهلها) ليقوموا برسالتهم السامية، ويواصلوا القيام بجهودهم التوفيقية، لمواجهة أى مظهر من مظاهر النشوز والتمرد طالما استمرت الخلافات بين الطرفين ولم ينجحا فى تجاوزها دون تدخل خارجى.
**
علماء الاجتماع وخبراء العلاقات الأسرية يؤكدون أن هذه الجرائم الأسرية- حتى ولو كانت قليلة- تبرهن على أن المجتمع يعيش متغيرات اجتماعية وتربوية وأخلاقية، وهذه المتغيرات تفرض على كل المعنيين بالإصلاح الاجتماعى والمنشغلين بشئون الأسرة دراسة ظاهرة العنف الأسرى من كل جوانبها والتعرف على أسبابها وتداعياتها، واقتراح الحلول المناسبة للمواجهة لأن ترك هذا العنف بلا مواجهة، وبلا إدانة دينية ومجتمعية يعنى ارتكاب المزيد منه، ويعنى المزيد من التدهور فى العلاقة بين أفراد الأسرة، وهو ما ينعكس سلبا على كل شىء فى بلادنا.
أحيانا.. تكون المواجهة الأسرية والاجتماعية للخلافات الزوجية خاطئة عن طريق إجبار الطرفين على استكمال مسيرة علاقة زوجية متوترة ويسيطر عليها الفتور والقسوة سواء من جانب الزوج أو الزوجة وتكون المحصلة النهائية لهذا الإكراه عنف أو انتحار أو هروب من منزل الزوجية.. يحدث هذا مع أن تعاليم الدين هنا واضحة، والله سبحانه وتعالى يقول:" وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما".. ذلك أن العلاقة الزوجية لا يمكن أن تستمر دون وفاق ورغبة حقيقية من الزوجين ليتحقق المراد من هذه العلاقة والذى يجسده قول الحق سبحانه:" ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن قى ذلك لآيات لقوم يتفكرون".
يجب أن نعترف بأن البعد عن قيم وتعاليم الدين فى العلاقات الزوجية، والاهدار المتبادل للحقوق بين الآباء والأبناء والأزواج والزوجات يمثل جوهر أسباب هذه القسوة التى تعانى منها بعض الأسر.. من هنا يؤكد علماء الاجتماع وعلم النفس أن التقصير فى دعم القيم الروحية فى نفوس الصغار والكبار، وعدم تحصين كل أفراد الأسرة بالقيم الدينية هو الذى ينتهى بنا الى العنف، فهو نتيجة طبيعية لغياب قيم أخلاقية مهمة جدا مثل الرحمة والعفو والتسامح.
يقول العالم الأزهرى د.أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء: "لو تربى صغارنا على خلق الرحمة والرأفة والإيثار والعفو داخل منازلنا وغرسنا القيم والأخلاقيات الفاضلة في نفوسهم منذ الصغر من خلال التربية الدينية الصحيحة داخل البيوت، ومن خلال مناهج الدراسة والدروس الدينية وخطب الجمعة في المساجد لما شاع العنف فى حياتنا بهذا الشكل المزعج".
**
داخل بعض الأسر لا نرى أثرا واضحا للاحترام المتبادل لا بين الأزواج والزوجات، ولا بين الآباء والأبناء.. بل نرى دلائل ومؤشرات على "العنف اللفظى" بين أفراد الأسرة، والذى يقود بالتأكيد الى " العنف السلوكى"، فليس غريبا أن تشهد بعض الأسر مشاجرات يومية بين الأزواج والزوجات وبين الآباء والأبناء، وبين الأبناء بعضهم البعض، لأسباب تافهة، والأولاد الذين يتعودون منذ صغرهم على الشجار والنزاع دون محاسبة أو ردع سوف يتطور النزاع بينهم حتما عندما يكبرون، وبعد أن كان النزاع فى الصغر على قلم أو مسطرة أو علبة ألوان سيكون الشجار والنزاع فى الكبر على الميراث وقد يصل بهم الى الاقتتال.
أساتذة الطب النفسى يؤكدون أن ظواهر العنف الأسرى السائدة الآن فى بعض الأسر تكشف عن نفوس متوترة، وعن علاقات أسرية سيئة، ولذلك لابد من التدخل السريع لحل كل مشكلة تنشأ داخل الأسرة حلا عادلا مرضيا لكل الأطراف بعد حدوثها مباشرة حتى لا تتراكم الخلافات وتزرع القسوة فى نفوس أفراد الأسرة.
داخل بعض الأسر يغيب الحوار الهادىء، لأن الأزواج والزوجات والآباء والأبناء يعيشون فى عزلة ساهمت فيها وسائل التواصل الحديثة، فبعض الأزواج والزوجات والآباء والأبناء داخل الأسرة الواحدة يتواصلون بالرسائل الالكترونية وهم داخل منزل واحد وبينهم أمتار قليلة، وهذه بيئة خصبة للتوتر والنزاع والعنف، فقد تحول المنزل الى ما يشبه الفندق الذى يتلاقى فيه الآباء والأبناء والأزواج والزوجات لكى يأكلون ويشربون ويقضون بعض حاجاتهم النفسية ثم ينامون لينصرف كل منهم فى الصباح الى حال سبيله.
**
من جانبهم يؤكد علماء الدين أن الأسر التى تعانى من العنف تعيش بعيدا عن القيم الدينية، والأزواج والزوجات الذين يتشاجرون يوميا لم يتأهلوا دينيا ونفسيا على تحمل أعباء العلاقة الزوجية، فالدين رسم لتلك العلاقة أجواء أخلاقية، وأوضح لكل طرف حقوقه وواجباته، ولو كان هناك التزام بآداب وأخلاقيات العلاقة الزوجية ما نشأ خلاف، وما ظهر عنف، حتى ولو حدث خلاف وهو أمر طبيعى من السهل تجاوزه طالما كان هناك التزام بتعاليم الدين وأخلاقيات التعامل الإنسانى.
لذلك لا ينبغى التعامل مع رؤية علماء الاجتماع وأطباء النفس وعلماء الدين على أنها "مجرد كلام" للاستهلاك الاعلامى دون التعامل مع هذه الرؤى بجدية واهتمام.. فهناك شبه اتفاق بين هؤلاء العلماء والخبراء على أن علاج العنف الأسرى الذى نعانى منه يكمن فى قيم وأخلاقيات الدين، وفى ترسيخ مفهوم الحوار الأسرى الهادىء، وفى حل الخلافات الزوجية وقت وقوعها وعدم تركها تتراكم وتعمق مشاعر النفور والكراهية بين الأزواج والزوجات.. وأحيانا يكون الحل هو التفريق بين الزوجين إذا وصلت العلاقة بينهما الى طريق مسدود وهذه هى الحكمة الشرعية من الطلاق فلا ينبغى أن نتعامل معه على أنه شبح يدمر كيان الأسرة والمجتمع لأن التطبيق الصحيح له يحمى المجتمع من مصائب كثيرة كالتى نعانى منها الآن.