ولد البطل فى ١٨ ديسمبر١٩٨٢، بمحافظه القاهرة، وتربي بها حتى التحق بمدرسه عمر بن الخطاب الابتدائيه، ثم عمار بن ياسر الاعداديه، ولحبه للحياة العسكريه التحق بالمدرسة الثانوية العسكريه بمصر الجديدة، ثم تقدم للكلية الحربية، وتخرج منها ليبدأ حياته العسكرية كأحد ضباط جيش المحروسة.
ولم يمنعه عشقه للقوات المسلحه، وحبه للحياة العسكريه، من ان يكون رجلا لين القلب وشديد الود لكل اقاربه، وبالاخص رفيقة رحلته السيدة بسمة عبد النبي.
فقد تعارفا فى ابريل ٢٠١٠ ، عن طريق اصدقاء مشتركين، ونشأت بينهما قصه حب خياليه، مفعمة بالاحساس والمشاعر والتفاهم، كانا يتقسمان اجمل المشاعر، وظلت قصة حبهما تزداد قوة مع مرور الايام حتى عام 2012، عندما اعلن المحب انه قرر ان يترك القاهرة العاصمة، ويعيش فى الاسكندرية، موطن حبيبته، وخاصة لانها البنت الوحيدة لابويها، وبالفعل تمت خطبتهم فى 28 يونيو 2012،وتزوجا فى ١٩اغسطس ٢٠١٢.
وتؤكد بسمة عبد النبي - زوجة البطل ‘‘ عمري ما شفت فى اخلاقه، حقيقي محترم جدا وطيب وأمين وبيتقي ربنا جدا كنت بتعلم منه، وكان صبور جدا وهادي فى كلامه .. اوقات فى اول زواجنا، بيعدي علينا وقت مفيش فلوس كان يبتسم ويقولي ربنا هيرزقنا متقلقيش .. وفعلا سبحان الله كانت الأزمة تعدي بخير.. كنت بشتغل ارجع من شغلي ويكون هو اجازة يستقبلني بأبتسامه جميله ويقولي انا عارف انك جايه تعبانه ارتاحي شوية ‘‘
ومرت الايام وفى 4 اغسطس٢٠١٤ ، رزقهم الله بمليكه، و كان الشهيد محمود طلعت متعلق بها جدا، كان دائما يحاول ان يوفر لاسرته كل سبل الراحه، وكيفية التقرب من الخالق، وفى كل اجازاته، كان يصطحب اسرته لصلاة الفجر بالمسجد، وكان يعلم زوجته تجويد القرءان، ويشرح لها الايات ويفهمها الاحاديث النبوية.

ودوما كان يفاجئها فى عيد زوجهما او عيد ميلادها، بمفاجأت شديدة التميز، وتذكر الزوجة الصالحة .. انه كان دائما يسعى فى جبر خواطر العباد، ويؤكد لها ان اجر وثواب من يجبر خواطر المحتاجين، هو اجر عظيم.
وفى ٢٢ فبراير ٢٠١٦ ، رزقهم الله بتالية، وقتها نزل الشهيد البطل اجازة، واصطحب زوجته وبناته للتمشية على كورنيش الاسكندرية، عقب صلاة الفجر، وفجأة توقف بسيارته فى منطقة سان ستيفانو، ونزل من السيارة، واذا به يذهب لسيدة مسنة تفترش جانب الطريق، وظل معها حتى بدأت الفرحة والبهجة ترتسم على وجهها ... ثم عاد لزوجته وبناته واكملا طريقهما.
تقول بسمة ‘‘ كان زى الفراشة الطايرة .. على قدر حبه للحياة يحب ان يسعد كل من حوله .. وكان دائما ما يتحدث عن الشهادة وانتظاره لها .. ولم يخبر احد انه ضمن القوات المسلحة بسيناء ‘‘
قبل استشهاده بشهر واحد، احضر لزوجته هديته المعتادة فى عيد الام، ولكن فى هذا العام احضر هدايا كثيرة، وليست هدية واحدة، ولما اخبرته بان هذا كثيرا، اكد انها تحملت معه اكثر وانه يتمنى ان يعوضها عن غيابه المتكرر .. ولهذا فلا يوجد ما هو عليها بكثير.
وفى يوم ١٤ابريل ٢٠١٨ حصل هجوم ارهابى على كتيبته، وصله الخبر الساعه ٤ صباحا، فاحتضن زوجته والبنات وقبل راسهم، فسألته زوجته عما به، فاخبرها باستشهاد زملائه، فقالت ‘‘ الحمد لله انك مش معاهم ‘‘ ليرد عليها ‘‘ يا عبيطه حد يكره يكون شهيد انا فداء مصر .. ولن اسمح لاى خاين يدخلها ‘‘.
وذهب بزوجته وبناته لبيت امها، ومكث معهم حتى الصباح، وقبلهم جميعا، مرددا هتوحشونى جداااا.
واثناء نزوله درجات السلم قبل رأس زوجته، وقال ‘‘خلي بالك من نفسك انتي والبنات .. واجهشت الزوجة فى البكاء – دون ان تدري بما سيحدث، وظل صوته الحزين يردد هتوحشونى هتوحشونى هتوحشونى .. وسافر وبقي احساس القلوب يسبق الاحداث.
وفى فجر ٢٢ابريل ٢٠١٨ ، لم تستطيع الزوجة ان تنام، فحدثت البطل فى الساعة الثالثة صباحا، وقالت انا لا استطيع النوم اشعر بخوف كبير .. ولا اعلم لماذا؟ فحدثها بهدوءه المعتاد وقال اطمئنى وسأصلي الفجر وادعوا لكى.
وفى 7:45صباحا اتصلت الزوجة للاطمئنان على حبيبها، فقال بثباته المعهود انا طالع مداهمة فى جبل الحلال، ثم فى الساعه 9:21صباحا، اتصل البطل بمحبوبته وقال ‘‘فينك قافله الموبايل تاني ليه بتصل بيكي عايز اتكلم معاكي يا حبيبتي وفصل الخط‘‘...
وظلت الزوجة تحاول الاتصال مرارا وتكررا .. دون رد، وعادت من عملها وعندما فتحت باب شقة امها .. كانت الساعة قد جاوزت الثالثة عصرا ... اذا بابنتها مليكة - 3 سنوات ونصف - تهرع اليها وتقول لها ماما .. بابا مات !
وقتها بكت الجدة – رحمها الله - شديدا، لفقد زوج ابنتها، وقال رامى شقيق بسمة ممكن يكون مصاب، واذا بمحمد شقيق الشهيد يتصل تليفونيا ليؤكد لهم خبر استشهاده، ولكن بسمة تقول محمود عايش دا كلام غلط .. محصلش ......
فالشهيد محمود لم يكن مجرد زوج، بل كان حب عمرها كله، وسافرت القاهرة عند اهله، وهى غير مصدقه انه استشهد، وعلى الساعه ٥ صباح يوم ٢٣ابريل ٢٠١٨ ، ذهبت الى مستشفي السويس العسكري، لاستلام الجثمان، وظلت فى انتظاره حتى الساعه ١٠ ليلا، عند وصوله من سيناء، وشاهدته بعينها ولمسته، كان نائما، تقسم الزوجة بالله، كان نائما، جسده فيه دمويه وسخن ذقنه شوكتني وانا ببوسه وقلت له هتفضل حبيبي لحد ما اموت.
وظلت معه، ركبت معه سيارة الاسعاف، حضنته ونامت بجواره، وقلبها مطمن، فهى الى جوار حبيبها، وبعد صلاه الجنازة وفى طريقهم للمدافن تحدثت معه كثيرا، كانت الساعه قد جاوزت الواحدة صباحا يوم ٢٤ ابريل، ومن كثرة السيارات، اعتقدت الزوجة ان النهارد قد عاد، وقالت للبطل شايف الناس بتحبك ازاي يا حبيبي.
ونزل المدفن – مثواه الاخير – ونزلت حبيبته ورائه، وكان رافع اصبع السبابه، ولما نزل المدفن، كانت رأسه موجهة ناحيه القبلة، دون ان يقوم احد بذلك، وتؤكد حبيبة محمود ‘‘ كانت كل علامات الشهاده ظاهرة عليه، الله يرحمه انا بحبه وهفضل احبه لانه ميتعوضش ‘‘
ولتسطر تضحيتهم صفحة من صفحات عشق الوطن، والزود عنه بكل غال ونفيس، فهو احد رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولتصبح نبراسا فى دروب حب مصرنا الغالية.