حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي، عن ازمة سد النهضة اثناء تدشين مشروع القرن "حياة كريمة" امام الالاف من المصريين كان مطمئنا وحاسما، ،ضع الكثير من النقاط علي الحروف، بل يمكن وصفه بانه تآكيد علي عمق الثقة والمصداقية التي يتمتع بها الرئيس السيسي في أوساط الشعب المصري الذي حضر بكل طوائفه في الاحتفالية… وتحدث الرئيس عن القلق المشروع الذي يمكن ان يشعر به الشعب دون الانزلاق الي المخاوف استنادا الي مصادر القوة المتزايدة لمصر علي مختلف الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية، واكد ان مصر تمتلك كل الخيارات لرد أي اعتداء علي حقوقها التاريخية المشروعة بعد ان صبح لهذا البلد رؤيتها الثاقبة.. وخلص الرئيس الي القول للمصريين:" عيشوا حياتكم".
فقد نجحت مصر في نقل ازمة مشكلة الدول المتشاطئة للانهار الي مجلس الامن الدولي، وهو ملف بالغ الأهمية والخطورة، فحرب المياه التي كانت ولا تزال محل توقعات ودراسات على مدى عقود. وهو أصلاً أحد اهم العناصر الأساسية في جميع الصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، ومن ايران الي العراق ، ومن سوريا الي تركيا ولبنان، من الأردن الي إسرائيل تظل ازمة المياة هي القاسم المشترك في كل صراعات في المنطقة، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا.
ولان الصراعات تولد من رحم الازمات، فآن شح المياه تسبب في حروب، وقبل ازمة سد النهضة، هناك حرب دجلة والفرات، حيث تتلاعب تركيا بحصة المياه التي يجب أن تتدفق إلى سوريا والعراق. كما ان إيران تمنع قطع كمية المياه عن أنهر سيروان والكارون وكرخة في العراق، كما يقول وزير الموارد المائية بالعراق الذي يلوح باللجوء إلى المجتمع الدولي. ومن قبل، كانت هناك حرب نهر الأردن مع اسرائيل ومشروع تحويل روافد الأردن.
وتل ابيب نفسها كانت ولا تزال تطمع بمياه الليطاني والوزاني في لبنان إلى جانب حيازتها مياه نهر الأردن، كي يضطر الأردن إلى شراء الماء من إسرائيل وهو ما حدث بالفعل خلال الأيام القليلة الماضية حيث تم الاتفاق بين عمان ،وتل ابيب علي بيع الأخيرة للاولي حصة سنوية من المياه علي بيع المياه.
مسيرة التفاوض بشأن ملف سد النهضة كان يجب أن تنتهي بخيارات سلمية، لكن مراوغة إثيوبيا أدت إلى التفكير في خيارات أخرى، منها الخيارات العسكرية والعنيفة، فالمناورات المشتركة التي قامت بها مصر والسودان في الفترات الماضية داخل أراضيهما، كانت بمثابة ورقة من أوراق التفاوض، وذلك من أجل استخدامها عند الحاجة على طاولة المفاوضات، وليس للتجهيز لعمل عسكري.
حاليا، يبدو ان وقت التفاوض ينفذ، ويقف البلدان (مصر والسودان) أمام مشكلة بدء أعمال الملء الثاني للسد من دون رغبتهما ومن دون التوصل إلى اتفاق ملزم مع الجانب الإثيوبي، صحيح ان أديس أبابا تعاني داخلياً من مشكلات عدة، حيث اعادت جبهة التيغراي احتلال (شمال إثيوبيا) في معركة خاطفة اذلت الجيش الاثيوبي واسرت منه المئات، وأصبح هذا الجيش الإثيوبي في موقف ضعيف، وصحيح ان مصر والسودان لن تتضررا من الملء الثاني بعد فشل اديس ابابا في احتجاز كمية المياه التي أعلنت عنها ، الا أن انعقاد اجتماع مجلس الامن الدولي وبغض النظر عن نتائجة المباشرة، قد حقق الهدف منه بوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه تلك الأزمة، وتصعيدها على أجندة القضايا المؤثرة على الأمن الإقليمي والدولي، بمعني آخر فان الاجتماع اصبح يوفر غطاءً دولياً لأي عمل غير تفاوضي محتمل حال تحول المسار التفاوضي المتعثر إلى "عمل غير ذي جدوى"،مع الاخذ في الاعتبار ان موقف المجتمع الدولي ليس هو العنصر الحاسم أو المحرك الرئيس لما يمكن أن تتخذه مصر حال قررت استخدام آليات اخري لتحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية في أزمة السد، فالقاهرة لن تنتظر ضوءاً أخضر للدفاع عن وجودها وبقائها ضد أي تهديد، والعالم لا يعترف إلا بالأقوياء، كما أن تصعيد الخطاب الرسمي المصري رفع سقف توقعات الشعب المنشغل بهذه الأزمة، بما جعله بانتظار مفاجأة أو حل يزيح شبح التهديد لأمنه المائي ويرسخ أساساً جديداً للإجماع الوطني على المستوى الداخلي.
وتبقي العبارة التي قالها زعيم الدبلوماسية المصرية الوزير سامح شكري في مجلس الامن راسخة في الاذهان، حينما قال:تعهدت مصر بخيار لا بديل عنه في أن "تحمي وتصون حقها الأصيل في الحياة والبقاء" إزاء ما تعتبره تهديداً "وجودياً" لكيانها، لكن بقي ذلك مشروطاً "بتضرر حقوقها المائية أو تعرض بقائها للخطر".. هذا هو فصل الخطاب.