لم تحسم الأمم المتحدة بعد أزمة قضية سد النهضة ،ومن أهم مكاسب مصر بعد تدويل القضية فضح أديس أبابا أمام العالم التي تصر علي المراوغات والتملص من أية إتفاقيات.
كما تكشفت الرؤية الفعلية للمشهد بكافة أبعاده المؤلمة وأفقه المغلق، وما يحمله من حقائق مرة تؤكد أن هناك أطرافا دوليه تعمل في الخفاء والعلن لدعم موقف أثيوبيا ومساندتها علي المضي قدما في غيها وصلفها!!
كما أثبتت تداعيات الأحداث أن قضية السد ليست قضية تنموية في المقام الأول ،وأمست قضية سياسية ومصيرية وإستراتيجيه ، ينبغي إعادة تقييم المواقف وإدارتها بوعي وحكمة والتفكير في الخطوات التالية، دون انتظار أن يأتي الإنصاف من الآخرين، ولو اقتضي الأمر أن نبدأ صفحة جديدة ومن أول السطر!!.
وبنشوة المظفر في معركة وهمية خرجت أثيوبيا تغرد فرحا وصياحا بنصر زائف بعد جولة مناقشة مجلس الأمن الدولي لقضية سد النهضة، فقد تحقق لها ما أرادت ،وعادت القضية لدهاليز الإتحاد الإفريقي من جديد، وكأن أثيوبيا تثق بأن الإتحاد لن يقدم ويؤخر كثيرا، ولن يحرك القضية قدما في طريقها الحل، فما ذهبت مصر للمنظمة الأممية إلا بعد اليأس والقنوط من ميوعة مواقفه وفشله الذريع في تحريك الموقف الأثيوبي وإخضاعها لصوت العقل والإنصاف وإحترام دول الجوار وحقوقهم التاريخية في مياه نهر النيل.
أثيوبيا ازدادت غبطة ، ولديها اليقين أن قضية السد ربما تدفن للأبد في مقابر الإتحاد الإفريقي الديكوري، وتساقطت أقنعتها المزيفة بأنها دولة مسالمة وتسعي لمفاوضات جادة، كما تساقطت الأقنعة الدبلوماسية لدول كنا نظنها لن تميل عن ميزان الحق والعدل !!
كما تحفظ معظم أعضاء المجلس عن مجرد إدانة لأديس أبابا التي تحدت الجميع وأعلنت بكل وقاحة بدء إجراءات الملء الثاني ، وخالفت كافة قواعد القانون الدولي ، ومواثيق الأمم المتحدة التي تنظم العلاقات والحقوق والواجبات بين الدول فيما يتعلق بالأنهار الدولية العابرة للحدود.
وسريعا ورغبة في قطف ثمار التأييد والمناصرة في مناقشات مجلس الأمن سارعت روسيا للإصطياد في الماء العكر ، فقد وقعت إتفاقية تعاون عسكري مع موسكو لرفع كفاءة الجيش الإثيوبي، ودعمه بالسلاح ، علاوة علي ما قامت به من قبل من توفير أنظمة صاروخية متقدمة لتأمين السد والدفاع عن منشآته.
وقد تناست في لحظات نفعية علاقاتها المتميزة مع القاهرة واستثماراتها المتنوعة ،وعلي رأسها تنفيذ مجمع الضبعة النووي للإستخدامات السليمة وغيره.
أما أمريكا فتمسك بالعصا من المنتصف كعادتها في هذا الملف،وتدير كل الأوراق وتحرك اللاعبين من وراء ستار، رغم يقينها بحقيقة موقف إثيوبيا وتملصها من توقيع إتفاق ملزم لكافة الأطراف وعرقلة المفاوضات إبان عهد الرئيس الأمريكي السابق ترامب.!!
وذرا للرماد في الأعين ، أدان الإتحاد الأوروبي تعجل أثيوبيا في بدء إجراءات الملء الأول وبعض تجاوزات نظام آبي أحمد في إدارة ملف حقوق الإنسان في تيجراي وأمهرة ومناطق أخري بأثيوبيا،
لكن المجتمع الدولي لم يتخذ أية قرارات أو عقوبات ضد جرائم الحرب وتشريد الأبرياء التي اقترفها آبي أحمد، وأقدمت الولايات المتحدة فقط علي تخفيض حجم مساعداتها لأديس أبابا !.
وإحقاقا الحق فقد بلغ السيل أعلاه، وتجاوزت أثيوبيا كافة حدود التعقل، وأحدثت تصرفاتها غصة وضيقا في قلب الرأي العام العربي الغاضب، ومن جديد عادت المطالبات بضروة اتخاذ مواقف أكثر حسما ، ودراسة فكرة جدوي عمل عسكري لتعطيل أعمال السد ، دون إضرار بدولتي المصب.
وهناك مطالبات شعبية وإقليمية ومن معارضين للنظام الأثيوبي المتجبر بسحب جائزة نوبل للسلام من آبي أحمد ومحاكمته علي كافة جرائمه وسياساته وتجاوزات نظام حكمه.
ومن بين سطور المشهد ،اعتقد أن القاهرة لا يزال لديها الكثير والكثير من السيناريوهات الموجعة، حفاظا علي حق الشعب المصري في المياه والحياة.
وبعد هذه الجهود المضنية ،اعتقد أن مصر ربما تلجأ لوقف وتجميد المباحثات وعدم الإنخراط في مفاوضات جديدة حال إصرار اثيوبيا علي عدم الإعتراف بالحق التاريخي لمصر والسودان ، ورفض تحديد إطار زمني لإنهاء النزاع..وإنا لمنتظرون!!