برقيات
في بداية ثمانينات هذا القرن كانت هناك مدرسة تسمي العباسية التجريبية الثانوية بنات ومديرتها كانت السيدة إقبال وفائي والتي سبق وان كتبت مقال عنها وكيف كانت تدير مدرستها بكل تمكن واقتدار وكأنها وزيرة, وكأن أسامة أنور عكاشه حين كتب سيناريو وحوار مسلسل ضمير أبله حكمت وإنعام محمد علي وهي تقوم بالإخراج والسيدة فاتن حمامة وهي تمثل وباقي فريق عمل مدرسة نور المعارف الثانوية كانوا جميعهم يقتفون أثر السيدة إقبال وفائي التي كانت تستمد قوتها من علاقتها بسيدة مصر الأولي في ذلك الوقت السيدة جيهان السادات, علمت بتلك العلاقة الوثيقة ومدي قوتها خلال رحلتي الأولي خارج أسوار المدرسة بصحبة تلك السيدة العظيمة التي كانت تشبه كثيرا السيدة جيهان السادات في ملبسها وتسريحة شعرها وثقافتها وقوة شخصيتها حين اصطحبت بعض الطالبات المتميزات إلي جمعية الوفاء والأمل لنتعرف علي المحاربين القدامى وضحايا الحرب ممن فقدوا أطرافهم, وكيف يتم صناعة أطراف صناعية إلي جانب العديد من الورش والأنشطة الاجتماعية الأخرى مثل دار المسنين ورعاية الأطفال من ذوي القدرات الخاصة وكيف تعاملت معهم بكل عطف ومحبة تفوق الوصف.
بعد اغتيال الرئيس أنور السادات تبدلت إدارة المدرسة وتبدل معها الحال ودب التراخي والإهمال في المدرسة التي كانت عريقة, حينئذ عرفت مبكرا أن القوة والحزم وحسن الإدارة تحتاج إلي قوة تستمدها من الأعلى ولا يكفي أبدا مهارة الفرد الشخصية.
نعت رئاسة الجمهورية السيدة جيهان السادات وحضر مراسم دفن الجثمان الرئيس عبد الفتاح السيسي بنفسه ودفنت تنفيذا لوصيتها بجوار زوجها الرئيس الراحل أنور السادات, وتم منح اسمها وسام الكمال وإطلاقه علي محور الفردوس شرقي القاهرة, لما كان لها من أدوار هامة في مجال دعم المرأة وتعليمها وقانون الأحوال الشخصية الذي ينظم حقوقها ويحسب لها تفاعلها مع المجتمع حتي قبل أن تصبح سيدة أولي بصعود زوجها لسدة الحكم في أعقاب حرب 1967 وذلك في المستشفيات وتطبيب الجرحى.
ربما لم يمهل القدر السيدة جيهان السادات المدي الزمني الذي منحه لسوزان ثابت زوجة الرئيس الأسبق مبارك وهما في سدة الحكم باعتبارهما زوجتين لرئيسين قامتا بعمل مجتمعي نافذ, عشر سنوات مقابل ثلاثين عاما, ولسنا هنا في مجال المقارنة بينهما, خاصة وأن السيدة جيهان السادات كانت تعتبر لقب السيدة الأولي وظيفة مؤقته لم تكن لها قبل الرئاسة ولن تدوم معها إلي الأبد بل ستزول في يوم من الأيام, كانت في كل حواراتها ذكية مثقفة واعية تعرف حدودها وخطوطها الحمراء التي لا يجوز لها أن تتخطاها, ولهذا احتفظت بمكانتها حتي أخر لحظات حياتها صباح الجمعة الماضية.
خلال العمل الصحفي في مجال التعليم تأكد لدي أن اهتمام المجتمع المدني بقضايا مجتمعيه مثل التعليم يأتي من اهتمام السيدة الأولي أذكر مثلا جمعية سيدات مصر الجديدة التي لم يصبح لها دور يذكر في مجال التعليم بعد2011 أو مجتمع سيدات الانرويل وهو جناح زوجات منظمة الروتاري والتي كانت الرئيس الفخري لأندية الروتاري في مصر, وكن يقمن بأعمال خيرية لصالح المدارس الحكومية مثل إعادة بناء أو تجهيز المدارس بما يلزم مثل أجهزة الكمبيوتر أو أثاث أو نحو ذلك, ولكنه مجهود اجتماعي مرتبط بالسلطة ولذا غالبا ما ينتهي بزوالها, أما الجهد الذي ينبع من القناعات الشخصية واحتياجات المجتمع الحقيقية فهو ما يكتب له البقاء والاستمرار حتي لو كان في صورة ذكري طيبه, منها مثلا مشروع مكتبة الأسرة الذي خلق من خلال مهرجان القراءة للجميع عام 1991 والذي أعاد طبع الكتب من جميع فروع العلم والأدب في صيف كل عام بأسعار زهيدة في طبعات شعبية بجنيه واحد فقط صحيح ان المشروع انتهي لكن مؤكد ان هناك ولو كتاب من مكتبة الأسرة عرف طريقه إلي جيل شباب التسعينات.