رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله

أتاحت لنا مواقع التواصل الاجتماعى مساحة كبيرة من حرية الرأى، وتحولت هذه الحرية على أيدى البعض الى تطاول وتجاوز وإساءة الى الآخرين، فلا التزام بمقاييس النقد الموضوعى الذى حثنا عليه ديننا والذى يميز العقلاء من الغوغائيين، ففى ظل الأمانة والموضوعية لا مدح لشخص لا يستحق المدح والثناء، لأن ذلك المدح يخرج بصاحبه من حيز المجاملة الى حيز النفاق الممجوج.. ولا ذم لشخص دون وجود ما يستدعى ذلك.. وفى غياب تلك الموضوعية امتلأت صفحات التواصل الاجتماعى بكل ألوان وأشكال التجاوزات .. نقدا.. وتطاولا.. ونفاقا.

لا يمر يوم دون أن أقرأ على مواقع التواصل الاجتماعى وخاصة "فيس بوك" و "تويتر" تعليقات كلها إسفاف وتطاول من عناصر مارقة تنتمى لجماعة متطرفة تدعى التدين والحرص على الأخلاق، ولو كان لدى هؤلاء أبسط صور التدين الصحيح لأدركوا أن أخلاق وآداب التخاطب التى تعلمناها من ديننا العظيم تفرض علينا أن نضبط أقولنا بضوابط أخلاقية، ف نتطاول على أحد ولا نسف فى القول، ولا نؤذى أحدا بكلمات قاسية وألفاظ جارحة، كما أنه لا يجوز أن نجامل أحدا بإضفاء صفات وخصائص عليه ليست فيه حتى ولو على سبيل المجاملة.. فالإنسان الجاد الذى تربى تربية دينية وأخلاقية جيدة يعرف " أدب المدح والذم" فهو يمدح ويثنى من باب الإنصاف، وتقديم الشكر لمن يستحقه من أهل المعروف.. وينتقد عندما تفرض عليه الصراحة والصدق أن يفعل ذلك لتقويم سلوك يرى فيه خروجا على الآداب العامة وتجاوزا لمعايير الحق والعدل.

**
ديننا- أيها المتأسلمون- يلزمنا بالأمانة والصدق فى القول مدحا وذما، ومن يلتزم بذلك لا يقسو على أحد، ولا يهدر حقوق الآخرين بلسانه الزالف، بل يعطى كل ذى حق حقه، والإنسان الملتزم بأدب المدح يحرص على كل ما هو راق ومتحضر من الألفاظ والعبارات، وينقل رأيه بلسان عف، وأدب جم.. والتربية الأخلاقية للإنسان تتجلى بوضوح فى تهذيب سلوكه وضبط لسانه، فالإنسان الذى تربى جيدا يعرف ماذا تعنى عفة اللسان، ويعرف كيف يحترم الآخرين، ويستمع إليهم، ويختلف معهم بأدب، ويعرف كيف يتحكم في لسانه، ويضبط ألفاظه، ولا يسيء إلى أحد بكلمات جارحة.. أما الأحمق فهو صاحب اللسان السائب وهو مربوط بحبل الشيطان يجره كيفما شاء، ومتى شاء، يقول صلى الله عليه وسلم: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه".

ديننا علمنا ألا ننطق إلا بما هو حق وعدل، وأن نعود ألسنتنا على الألفاظ الجميلة، والتعابير الحسنة، والكلمات الرقيقة، لأن الكلمة الطيبة صدقة- كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهي تأسر القلوب، وتنهى أزمات وتحل مشكلات.. بينما الكلام الأهوج غير المسئول يجلب الكوارث والأزمات وقد يشعل الحروب، وكم من حروب وفتن ومصائب حدثت بسبب كلمات منفلتة ألقاها صاحبها دون أن يلقي لها بالا.. ولذلك حذرنا ديننا من الكلمات المنفلتة غير المسئولة التي تجلب لصاحبها وللآخرين كثيرا من المصائب، وأمرنا الحق سبحانه وتعالى من خلال القرآن الكريم أن نقول للناس كل ما هو حسن وجميل،" وقولوا للناس حسنا".
ومدح الإنسان الصادق الذى يتخلق بأخلاق دينه لا يمكن أن يتحول الى رياء كما نرى فى سلوك كثير من الناس الآن، حيث أصبح النفاق أسهل وسيلة للحصول على المكاسب الوظيفية والمادية، والمنافقون الذين يزينون الباطل لرؤسائهم على مختلف المستويات، ينتشرون فى كل مكان، وهم فى واقع الأمر كاذبون فاشلون ضعاف الشخصية، وهم أقل الناس كفاءة وأضعفهم انتاجا، وهم يجدون ضالتهم عند رؤساء عمل لا يطبقون قيم الحق والعدل ويحتاجون الى علاج نفسى.. والإنسان الجاد الصادق لا يعرف هذا النفاق ولا يمكن أن يتحول مدحه الى نفاق، لأنه تربى على الصدق فى القول، فلا ينطق لسانه إلا بما يراه حقا وعدلا، وهو يعنى جيدا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت".

**
والنقد أيضا.. يحتاج الى أدب ربما أكثر من المدح.. وهو فى ميزان الأخلاق ليس مرفوضا على طول الخط، فقد ذم القرآن الكريم أمورا كثيرة، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر نفسه وذلك بهدف تحذير الناس منها وصرفهم عنها.

وذم سلوك ينبغى أن يكون هدفه أخلاقيا.. بمعنى تسليط الضوء على قول أو فعل قبيح لإبعاد الناس عنه، وقد يراد من النقد النصح والابتعاد عن الصفات الذميمة واستبدالها بالأخلاق الحميدة، فعندما تذم إنسانا بسبب بخله فأنت تستهدف تقويم سلوكه وصرفه من البخل الى الكرم والجود.. لذلك كان الذم مطلوبا لتقويم السلوك كما يطلب المدح للترغيب فى كل ما هو حسن وجميل من الصفات والخصائص.

ولكى يحقق النقد هدفه ويكون موضوعيا لا ينبغى أن يترك وفق أهواء كل إنسان، أو يكون أداة مباحة فى أيدى عديمى الأخلاق، بل ينبغى أن ينضبط بالصدق كما هو الحال فى المدح، فالإنسان مطالب فى ذمه لسلوك أن يكون صادقا ملتزما بالعدل فى القول حتى يجد كلامه صدى ويؤثر فى الآخرين.

ما أحوجنا جميعا الى الالتزام بمقاييس النقد الموضوعى وأن نعطى كل ذى حق حقه، فلا نطارد من نختلف معه بأقوال ظالمة واتهامات عشوائية، دون أدلة وبراهين.

حالة الإسفاف التى نراها فى أحاديث البعض ومعاركهم على مواقع التواصل الاجتماعى لا علاقة لها بحرية التعبير من قريب أو بعيد، فهى "حرية منفلتة" من كل القيم والأخلاق يمارسها البعض دون وعى بمخاطرها على واقعنا الفكرى والسلوكى والأخلاقى.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة