بالحسنى
عندما دعتني واحة الفكر والفن بنقابة المعلمين بحلوان من خلال رائدها الشاعر الكبير فولاذ عبد الله والأنور للمشاركة في دورة شيخ العروبة احمد زكي باشا لم اجد ونحن في حضرة هذا العملاق شيخ العروبة وفي نقابة المعلمين وفي واحة الفكر والفن التي بمثابة معمل لتقديم وصقل الأدباء الشعراء والقصاصين والنقاد إلا أن أتحدث عن الأستاذية وأثرها وخطرها في بناء الامم وكذلك مدارس الادب وأهميتها خاصة ونحن في مدرسة أدبية لها سماتها وجهودها ومدارس الادب ترتبط بالاستاذية ارتباطا وثيقا .
قلت إن أي أمة مهما بلغت من الرقي والمادي الرفاهية الحياتية مصيرها إلى الانحطاط و التخلف اذا ما ضاع الاستاذ فيها وأصبح على هامش المجتمع ولم يمنح ما يستحق من التقدير الادبي والمكانة الاجتماعية والوضع المادي والإعداد الذي يليق به سواء في الاختيار أو التعليم أو التدريب الى اخر الوسائل التي تقوم بها الأمم. الجادة تجاه أبنائها المنوط بهم اعداد الرجال لصناعة المستقبل في كل المجالات.
وعلى الجانب الآخر فإن أي أمة مهما بلغت من انحطاط حضاري وتخلف مادي وروحي فإن مصيرها إلى الرقي وقيادة الأمم اذا ما بدأت مسيرتها في إصلاح حالها بوضع الاستاذ في مكانته التي تليق به من احترام وهيبة ووضع مالي واجتماعي وإعداد جيد يليق بمهمته العظيمة التي هي مهمة الرسل والأنبياء الذين لايعدهم ولا يؤدبهم سوى الخالق العظيم الراحم العليم .
وعندما أردت أن ادلل على كلامي ضربت امثله لما يقوم به الاستاذ من تغيير في حياة تلامذته وحياة أمته فيحولها من النقيض إلى النقيض يحول تلميذه من كائن قد لايعرف ما يصلح له إلى صانع حضارة ويحول أمته بما يهبها من رجال إلى مقدمة الأمم ويقوم الاستاذ بذلك من خلال ايمان ذاتي بمسئوليته أمام ربه وتجاه وطنه وتجاه من يقابلهم من بشر ترى عينه وحدها ما يملكون من طاقات وقدرات ويملك وحده آليات استخراجها واعدادها ليصبح صاحبها رائدا في مجاله.
قلت إن الإمام محمد عبده الذي أحدث دويا جميلا بثورته التعليمية في الازهر الشريف وبثورته الاجتماعية في مصر وثورته الفكرية في العالم الإسلامي كله بل وتأثيراته في الغرب ..هذا الإمام فر من الأزهر ثلاث مرات وكلما أرسله أبوه ضاغطا عليه فر ولم يعقب حتى فر في المرة الأخيرة كما جاء في كتاب الاستاذ محمد عبده للعقاد - إلى بلد اخوال أبيه فالتقاه أحد هؤلاء الأساتذة الذي كان بمثابة الجوهرجي الذي رأى قطعة من ذهب تحتاج إلى من يقدرها ويتعامل معها بما يصلحها ولا يفسدها وبالفعل احتال عليه فى التعلم حتى ذاق محمد عبده لذة العلم فأصبح هو من يلازم استاذه بعد أن كان يتململ منه ولا يطيق البقاء معه .
أما النموذج الثاني _والنماذج فوق الحصر _ فقد ذكرت ما كان من احسان عبد القدوس عندما قدم إليه الشاعر الكبير صلاح جاهين شاعرا شابا هو فؤاد قاعود وبعد أن استمع إليه وهو الاديب الخبير قرر تعيينه فى مجلة صباح الخير حتى يصبح لا هم له إلا الشعر فيعطى الادب ما عنده من موهبة فقال له الشاعر الجميل فؤاد قاعود انني في الجيش ولا احضر الأ أسبوعا هو إجازتي فقال له احسان عبد القدوس نحن لانريد أن تأتي إلا اول كل شهر لتحصل على مرتبك وعندما تكتب شعرا تأتي به الينا لننشره وبهذا كسب الادب والشعر العامي واحدا في قامة فؤاد قاعود.
أما المدارس الأدبية مثل واحة الفكر والفن التي تصارع المدارس الأدبية القديمة صاحبة التاريخ فهي التي قدمت لنا قامات أدبية سامقة لأنها مكان يجتمع فيه الاديب الكبير مع الشاب المبتديء فيستمع الاول للثاني فيأخذ بيده يوجهه كما يستمع الأدباء الكبار بعضهم لبعض فيكونون كالثريات التي اقتربت فيزداد ضوؤها وتوهجها لتفرز في النهاية في هذا الجو الإبداعي ابداعا جديدا . فتحية لهؤلاء الذين يبذلون وقتهم وجهدهم وخبراتهم إلى من يستحقون لتتواصل الاجيال وترتقي الامم.