برقيات
بينما أدير محرك البحث لعلي أجد ما يمكن متابعته بين القنوات المختلفة, ليتحول الريموت فجأة إلي آلة الزمن ويتوقف في بيتنا الكبير, ثمانينات هذا القرن مع رائدة الدراما الدينية في مصر الكاتبة الكبيرة أمينة الصاوي تتحدث مع سهام صبري في برنامجها الشهير "شموع " عن رحلة إبداعها في تحويل القصص القرآني إلي مسلسلات دراميه ذات طابع ديني وتاريخي كنا ننتظرها ونتابعها بشغف بالغ خلال شهر رمضان المعظم في مصر وكل العالم العربي, شكلت وجداننا وجزءا كبيرا من وعينا الديني والثقافي. تعرفنا من خلالها علي أدب طه حسين و مسلسل هامش السيرة, الذي حقق نجاحا منقطع النظير, ومسلسل لا اله إلا الله الذي قدم في أربع أجزاء, والكعبة المشرفة الذي يحكي تاريخ الكعبة منذ أدم عليه السلام ومحاولات إبليس اللعين الذي قام بدوره الرائع جميل راتب وابنته حبب والتي قامت بدورها الفنانة تيسير فهمي لصرف الناس عن الكعبة وهدم الدين, ومسلسل الأزهر الشريف وغيرها من الأعمال الدرامية الهامة التي نالت عنها أمينة الصاوي العديد من الجوائز, وبينما يمر شريط الذكريات بين الأهل والأحباب وأيام الطفولة والشباب في البيت الكبير, فإذا بها تتحدث عن مشاريعها المستقبلية وأنها بصدد عمل كبير وعظيم, قد يستغرق عرضه سنوات وأنها اتفقت بالفعل علي إنجازه مع وزارة الأعلام وقيادات التليفزيون المصري وذلك العمل يروي تاريخ نهر النيل العظيم من منابعه في وسط أفريقيا حتي البحر المتوسط قالت أنه ليس مجرد نهر عادي بل هو معجزة السماء لأهل الأرض, علي ضفافه خلقت حضارات وصراعات وعرفت طبائع الشعوب, تحدثت عن عمل درامي كبير يقدم الجغرافيا والتاريخ وحركة الأديان والمعتقدات علي ضفاف النهر.
صحيح ان القدر لم يمهل كاتبتنا الكبيرة إتمام حلمها وحلمنا وغيبها الموت في حادث سيارة عام 1988, ولم يتبن غيرها الفكرة الرائعة, ولعل القدر أعاد بث البرنامج ونهر النيل يواجه خطرا شديدا قادما من أثيوبيا, وكأنها رسالة السماء لتذكرنا بواجبنا نحو نهرنا الخالد مهد الحضارات.
المصريون القدماء اخترعوا آلهه لنهر النيل أشهرهم الإله "حعبي" الذي يمثل الفيضان ووصف بسيد القرابين وسيد الفيضان والرب الأزلي وأقدم الأرباب وسيد الكل الذي يحدث التوازن في الكون.
في معبد الملك ساحورع صور رب الفيضان علي هيئة رجل ممتلئ الجسم له ثديان كبيران يتدفق منهما الماء كرمز للخصوبة والنماء, يحمل الزهور والدواجن والأسماك والخضروات والفواكه وزهرة اللوتس شعار مصر العليا ونبات البردي شعار مصر السفلي, هذا الوصف وكل المعلومات جاءت في كتاب حضارة مصر القديمة من إصدارات وزارة الأثار للعالم المصري رمضان عبده. وفيه شرح لأربعة حملات استكشافية إلي أفريقيا نظمها " حرخوف " حاكم الجنوب , تنفيذا لأوامر الملك مر إن رع والملك بيبي الثاني عام 2200 قبل الميلاد سجل حرخوف وقائع رحلاته في مقبرته بأسوان, كتب أرسلني سيدي صاحب الجلالة مر إن رع في صحبة والدي الصديق الواحد والكاهن المرتل إيري إلي بلاد يام لاستكشاف دروبها أنجزت المهمة في غضون سبعة أشهر وجلبت منها الهدايا الجميلة والنادرة ونلت من أجل ذلك المديح.
المصري القديم أحصي الأيام حسب حركة النجوم فوجدها 365 يوم, قسمها 12 شهر والسنه ثلاث فصول بناء علي حركة النيل "أخت" فصل الفيضان وبذر البذور من منتصف يوليو إلي منتصف نوفمبر, فصل " برت" وقت النمو و يوازي فصل الشتاء ويبدأ من منتصف نوفمبر حتي منتصف مارس, ثم فصل "شمو" موسم الحصاد ويبدأ من منتصف مارس ألي منتصف يوليو .
أجدادنا قدسوا نهر النيل منه حياتهم وفيه يتطهرون وبواسطته يمارسون طقوسهم الدينية ومنه يغسلون بعد الموت. عرفوا نظافة الجسد والملبس والمأكل والمشرب, ومن يلوث ماء النهر يتعرض لعقاب وغضب الآلهة يوم الحساب,
في كتاب الموتى.. لم أمنع الماء في موسمه لم أقم عائقا أمام الماء المتدفق في مقبرة حرخوف في أسوان أنا لم ألوث ماء النهر لم أمنع الفيضان في موسمه لم أقم سدا للماء الجاري أعطيت الخبز للجوعى وأعطيت الماء للعطشى
من ترانيم النيل في العصور الوسطي.. المديح لك ياحعبي الذي يخرج من الأرض ويأتي ليعيد الحياة لمصر ..يا مسبب الخضرة ليتك تأتي ياحعبي ليتك تأتي إلي مصر ياخالق القرابين يا مسبب خضرة الضفتين لتعطي الحياة للناس والحيوانات.. ليتك تأتي.
مشروع أمينه الصاوي يبحث عن من يعيده للحياة, ياليته يأتي.