حتى الان مازالت الازمة الليبية تراوح مكانها, لم تحصل علي نسبة كبيرة من التفاؤل بعد انتهاء مؤتمر برلين2 الذى اسدل الستار عليه قبل أيام, علي الرغم من ان مصر نجحت في احباط المخطط التركي الذي يتلخص في تبني حكومة الدبيبة اخراج جميع القوات والمرتزقة الأجانب باستثناء القوات التركية استنادا الي الاتفاقية الأمنية غير الشرعية الموقعة بين انقرة وحكومة السراج, لكن الواقع يشير ان تركيا ستماطل كالعادة في تنفيذ الانسحاب من ليبيا,
صحيح ان كلمة رئيس الحكومة في المؤتمر شملت كل النقاط بشكل عام، غير أنها لم تقدم ما أنجزته الحكومة بشكل واقعي، كما لم تقدم خطة واضحة للحل. فضلا عن ان المحللين اعتبروا أن حديث الدبيبة عن خطة أمنية لتأمين الانتخابات "مجرد وهم"، مبررين ذلك بأن بعض أعضاء الحكومة يلتقون بالميليشيات في حفلات تخرج تُقام لها كأنها قوات نظامية، ويصفونها بـ"الأبطال". ناهيك عن انه جرى جلب 200 مرتزق سوري جديد إلى ليبيا قبل أيام من انعقاد مؤتمر "برلين2" "ما يعني أن الأمر لا يزال يشكل خطرا كبيرا".
الرئيس اردوغان لم يبدد الوقت , وبدأ علي الفور في ممارسة العابة البهلوانية وخلط الأوراق, وعمد الي ابتزاز الولايات المتحدة الأمريكية وعرض علي جو بايدن خطة "البقاء مقابل البقاء" .. اى بقاء قواته في أفغانستان لتغطية انسحاب القوات الامريكية من هناك, مقابل غض الطرف الأمريكي عن الوجود التركي العسكرى في ليبيا.
وهذا ما استفز الدبلوماسية المصرية وأصدرت علي الفور عدد من الرسائل الحاسمة لتركيا منها , عدم التدخل في شئون الدول العربية, الالتزام بخطة الانسحاب الكامل من ليبيا, رفض مصر لاى مفاوضات بخصوص ملف غاز المتوسط, كما خيرت القاهرة انقرة بين الخروج من ليبيا او تعليق مفاوضات عودة العلاقات بين البلدين.. وأخيرا أقدمت مصر علي خطوة لتؤكد جديتها حيث جمدت اى مفاوضات مع الجانب التركي لحين اشعار آخر.
تعقدات المشهد الليبي حاليا بالنسبة لتركيا لم يعد في موازين القوى العسكرية علي الأرض, ولكن في حجم المكاسب التي من المفترض ان تجنيها بعد استقرار الأوضاع, خاصة في مجال إعادة الاعمار .. وهذا ما تكشفه دراسة صادرة عن الأمم المتحدة قبل أيام أعدتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) تحت عنوان "السلام في ليبيا: فوائد للبلدان المجاورة والعالم".
وتؤكد هذه الدراسة على أهمية التطورات الإيجابية الأخيرة التي تشهدها البلاد، والتي ستُترجم إلى ارتفاع في معدلات النموّ الاقتصادي وزيادة في الاستثمارات وخلق فرص عمل داخل ليبيا وفي البلدان المجاورة، خاصة مصر وتونس والجزائر والسودان، إذ أن إحلال السلام في ليبيا سيُطلق جهود إعادة الإعمار، ما سيولد مكاسب اقتصادية كبيرة لهذه الدول في ضوء ارتباط اقتصاداتها بالاقتصاد الليبي.
الإسكوا سلطت الضوء منذ اندلاع النزاع على آثاره الاجتماعية والاقتصادية من خلال تقييم الأثر الكمي ليس فقط للدمار الذي نتج عنه، ولكن أيضاً بحساب العائد من إحلال السلام على ليبيا والدول المجاورة، بهدف تعزيز الحوار بين الفرقاء الليبيين والفاعلين الإقليمين والدوليين.
وتشير الدراسة إلى أنه بحلول عام 2025، ستصل المكاسب الاقتصادية في مصر إلى حوالي 100 مليار دولار، وفي السودان إلى حوالي 22 مليار دولار، وفي تونس إلى حوالي 10 مليار دولار، وفي الجزائر إلى حوالي 30 مليار دولار.
وتضيف الدراسة أن السلام في ليبيا سيطرح فرصاً على الصعيد الدولي، ستولد مكاسب اقتصادية للشركاء التجاريين الرئيسيين لليبيا كإيطاليا وألمانيا وفرنسا وتركيا، حيث من المتوقع أن تصل المكاسب في هذه الدول إلى 13 مليار دولار، و7.5 مليار دولار، و6 مليار دولار، و5.5 مليار دولار، على التوالي.
الدراسة تحلل الأثر الكمي للسلام من خلال مجموعة من المؤشرات الرئيسية، منها النمو المتوقع إثر عملية إعادة الإعمار، والنتائج المرجوة على الاستثمارات وعلى استئناف الصادرات لليبيا، إضافة إلى أثر كل هذا على مستويات التشغيل في دول الجوار، وعلى إمكانية أن تنخفض البطالة في السودان بنسبة 14 في المئة حتى عام 2025، وبنسبة 9 في المئة في مصر، و6 في المئة في تونس، و2 في المئة في الجزائر.
وتركز الدراسة على نتائج المرحلة الثانية من مشروع الإسكوا المعني بقياس أثر السلام في ليبيا على إعادة الإعمار في البلاد، والذي يصبّ في إطار الحوار الاجتماعي والاقتصادي الليبي الذي تنفّذه الإسكوا لمناقشة الأطر الاجتماعية والاقتصادية البديلة المطلوبة لتحقيق التنمية المستدامة في ليبيا.
الوضع بين مصر وليبيا تاريخي لا غبار عليه ويمكن له مبرراته الجغرافية والأخلاقية أيضا, لكن يظل غامضا ومثيرا للريبة مع دولة مثل تركيا سعت ومازالت الي تصوير نفسها علي انها امتداد للارث العثماني البغيض.. لذلك فهي تحارب من اجل لم الغلة المحرمة وليس هذا بغريب علي الولي العثماني الذي يعيد كوارث التاريخ بكل غباء ناسيا ان الظروف لم تعد كما في السابق.. وان هانك دولة اسمها مصر قادرة علي كبح جماحه ورده خائبا.
-----------
أستاذ بجامعة حلوان