رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله:

لا يزال البحث عن موضوعات تجذب المشاهدين وتثير اهتمامهم قائما، بصرف النظر عن مدى أهمية هذه الموضوعات، أو علاقتها بالواقع الاجتماعى الذى نعيشه، أو استهداف حل مشكلات قائمة، وانهاء نزاعات تهدد استقرارنا الاجتماعى.

أيضا.. فوضى الفتاوى لم تعد مجرد ظاهرة مزعجة للبعض فقط، بل أصبحت مشكلة تصيب الكثيرين بالقلق والتوتر والاضطراب فضلا عن تشويه حقائق ديننا وتهديد كيان الأسرة والاتجار بهمومها، والتلاعب باستقرارها.

أتحدى هؤلاء الذين شغلونا خلال الأيام الماضية بالاصطلاح الغريب (اغتصاب الزوجة) أن يأتوا لنا بنماذج من النساء اللاتى رفعن أمرهن للقضاء لشكوى أزواجهن أو اتهامهم باغتصابهن.. ليس لأن وقائع إكراه الزوجة فى فراش الزوجية قد اختفت من حياتنا، بل لأن كل إمرأة- حتى ولو كانت نافرة من سلوك زوجها- تدرك جيدا أن البوح بأسرار غرف النوم هو من قبل "العيب" الذى لا يجوز، فضلا عن أنه من الأمور المحظورة شرعا على كل من الزوج أو الزوجة، ولا يجوز البوح بها إلا فى حالات نادرة، وأمام القاضى، أو لجنة مؤتمنة على أسرار الزوجين تقوم بمهمة الإصلاح بينهما.

على مدى أسابيع مضت شغلتنا العديد من الفضائيات بقضية اغتصاب الزوجة وأطلقت هذا الاصطلاح الغريب والعجيب والشاذ دون خجل وكأن الأمر فى مصر أصبح ظاهرة مزعجة، مع أنه من المشكلات المستترة بحكم العيب ويمكن تناولها من خلال فتوى بسيطه توجه نصائح وتوجيهات للأزواج بضرورة التراضى والوفاق والرغبة المشتركة فى الاستمتاع بهذا الحق المشترك بين الزوجين، وكل ما حدث أن مسلسلا رمضانيا قد تناول الأمر فى أحد مشاهده فالتقطته فضائية، وأضفت عليه المزيد من توابل الاثارة وتبعتها فضائيات أخرى دون تفكير فى عواقب تسليط الضوء على مشكلات لم تطفو فوق سطح الحياة الأسرية فى مصر وليس هناك ما يبرر تناولها بهذا الشكل المثير.

**

ما أحزننى وأدهشنى أن بعض علماء الدين قد وقعوا فى فخ الإثارة الإعلامية، ومع أن إجابات بعضهم جاءت موضوعية، وعبرت عن الموقف الشرعى الصحيح، إلا أنهم لم يتوقفوا عند هذا المصطلح الغريب الذى تحفظ عليه علماء أزهريون آخرون وأكدوا أنه "لا اغتصاب فى بيت الزوجية" لأن إشاعة هذا الاصطلاح على العلاقة الزوجية التى يسودها الإكراه من شأنه أن يقلل من هيبة وخطورة الاغتصاب ومعناه الإجرامى السائد فى العقول والأذهان.

نعم.. الإسلام يقيم العلاقة الزوجية على الود والاحترام المتبادل بين الزوجين،ويرفض كل صور الإكراه فى العلاقة الحميمة، ويدين تجاوزات بعض الرجال فى فراش الزوجية، لكن مثل هذه التجاوزات تواجه بالنصح والتوجيه الدينى والنفسى بعيدا عن هذه المصطلحات التى تشوه مجتمعاتنا من الداخل وتشغلنا بقضايا وتختلق مشكلات لدينا فى حياتنا الاجتماعية والفكرية والثقافية ما هو أهم منها وأولى بالرعاية والاهتمام.

لا ينبغى أن نزج بالدين فى كل مشكلة أو تجاوز سلوكى فالدين أسمى وأرقى من أن نقحمه فى كل تصرف شاذ أو غريب، ومادام سلوك الرجل العنيف مع زوجته فى حياتهما العامة أو الخاصة مرفوضا أسريا واجتماعيا وعرفيا، فلماذا نحاول إلصاق هذا العنف بالدين ونبحث له عن مبررات دينية ونشوه صورة الدين بجهل وأحيانا بغباء.

الإسلام حث المرأة على إطاعة زوجها، وجعل إعفافه وكفه عن الحرام من الأمور التى تثاب عليها الزوجة، وتعاقب على إهمالها وعدم الاكتراث بها.. فالدين لم يحث الرجال على إكراه زوجاتهم فى الفراش، والتوجيه الدينى العام الذى يحمله قول الحق سبحانه:" ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" ينطبق على ما كل ما يخص علاقة الزوجين من الأمور العامة والخاصة، وإلا كيف تحدث "السكينة والمودة والرحمة" بين طرفين يُكره أحدهما الآخر على نيل حقوقه الشرعية.

إرجعوا أيها السادة الى "آداب المعاشرة الزوجية فى الإسلام" لتعرفوا كيف حث الدين كلا من الزوجين لتكون علاقتهما العامة والخاصة فى أفضل صورة وينعما بالسعادة والاستقرار.. فما علاقة الدين إذن بسلوك بشرى يحمل تجاوزا سلوكيا مرفوضا ومدانا؟

**

لقد تعددت تحذيرات علماء وفقهاء الإسلام من إلصاق كل مشكلة أسرية أو اجتماعية بالدين .. كما تعددت المناشدات لوسائل الإعلام المختلفة وخاصة الفضائيات بالبعد عن اختلاق مشكلات وإقحام الدين فيها.. كما طالبت المؤسسات الدينية- الدعوية والإفتائية- بالاعتماد على العلماء الموثوق فى علمهم، وتجنب كل صور الإثارة فى تناول القضايا الاجتماعية وعدم توظيف هموم الأسر ومشكلاتها فى برامج فتاوى لمجرد جذب المزيد من المشاهدين.

يحدث ذلك لأن الفتاوى الغريبة التى تطالعنا بها بعض وسائل الإعلام وتتداول على مواقع التواصل الاجتماعى، لا تتوقف وهى أكثر من أن تحصى وخطورتها لا تقف عند تشويه صورة الدين، وإعطاء انطباعات غير صحيحة عنه، بل تتحول الى نكت وأفيهات للسخرية من الدين وعلمائه، ومع ذلك لم يكف أدعياء الفتوى عن إطلاق الفتاوى الغريبة والشاذة ومن بينها فتاوى تستحل حرمات، وتبيح أمورا شاذة لا يقبلها عقل ولا يقرها عرف أو فطرة سليمة.

وفى الوقت الذى يفتعل فيه البعض مشكلات وأزمات ويقحم الدين فيها.. يجب أن نعترف بأن ساحة الفتوى تعانى هى الأخرى من حالة اضطراب وفوضى خاصة فى ظل تعدد وتنوع وسائل الإعلام، واتخاذ بعض الفضائيات لقضايا الدين وسيلة للإثارة وجذب المشاهدين، وإشعال معارك فقهية لا مبرر لها بين العلماء.. حيث لم يعد الكثيرون يلتزمون بالضوابط والقواعد المنظمة لأمور الفتوى وتوضيح الأحكام الشرعية للناس بعيدا عن الإثارة وتشويه تعاليم الدين، ووضع الناس في حيرة بسبب اجتهادات متضاربة لا تلتزم بأبسط القواعد الفقهية.

الفتوى علم وصناعة لها رجالها المؤهلون لها، ولا ينبغى أن يتصدى لها غير المتخصصين وغيرالمؤهلين للفتوى خاصة على شاشات الفضائيات مما يثير بلبلة وتخبط بين الناس.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة